بدأ في عام 1968 تكوين التجمعات الثقافية للأدباء والتشكيليين والسينمائيين، وتكونت “جماعة السينما الجديدة” من مجموعة كبيرة من خريجي معهد السينما الشباب الذين كانوا يطمحون لسينما مختلفة تعبر عن تطلعاتهم التي أرادت أن تؤسس لتيار سينمائي آخر، مع تبني أشكال تعبير طليعية تتخلص من القوالب التقليدية الجامدة.

كانت الجماعة تضم أسماء مثل علي عبد الخالق ومحمد راضي ورأفت الميهي وداود عبد السيد وأشرف فهمي وسعيد شيمي وسمير فرج وأحمد متولي ورحمة منتصر وعادل منير وصبحى شفيق وعلى أبو شادي ومجيد طوبيا وهاشم النحاس، وغيرهم.

وكان هناك بين هؤلاء شاب فلسطيني قادم حديثا إلى مصر بعد أن أنهى دراسته للسينما في ڤيينا، هو غالب شعث (مواليد 1932) وكان قد أوشك على استكمال دراسته في العمارة هناك.. وقد استقر في مصر منذ أواخر 1967 والتحق بالعمل مخرجا للتليفزيون المصري.

انضم غالب شعث لجماعة السينما الجديدة، وكان فيلم “أغنية على الممر” أول عمل من إنتاجهم بالمشاركة مع مؤسسة السينما، والفيلم الثاني الذي أنتجته الجماعة هو فيلم “الظلال في الجانب الآخر” لغالب شعث عن رواية للكاتب المسرحي محمود دياب، وأثار غالب الاهتمام بفيلمه، فقد كان فيلما مصريا لكنه أيضا روح مختلفة بحكم التجربة الخاصة لمخرجه غالب شعث، ابن القدس الذي تعلم في القاهرة وألمانيا والنمسا، ثم استقر مبدئيا في القاهرة، ووجد نفسه طرفا مباشرا في حركة سينمائية جديدة تبشر بموجة التغيير.

يروي غالب في مذكراته عن بداية اهتمامه بالموضوع فيقول “لدى عودتي، بعد حوالي أحد عشر عاما قضيتها بعيدا عن الوطن العربي، كان لابد من أن أحاول -بالقراءة- أن أعوض، بقدر الإمكان، وأن أستزيد من أسباب التواصل مع مجتمعي القديم الجديد، لاسيما وأن عملي سوف يعتمد اعتمادا وثيقا على هذا التواصل.. كانت رواية (الظلال في الجانب الآخر) إحدى الغنائم التي خرجت بها من جولاتي الروتينية الكثيرة حول سور الأزبكية.. وكنت، في ذلك الوقت، أبحث عن نص يصلح لأول تمثيلية سهرة تلفزيونية سأقوم بإخراجها.. أخذتني الرواية، ابتداء من عنوانها، إلى أجواء الفنانين التشكيليين التي لم أكن بعيدا عنها.. الشباب الباحث عن أحلامه، بين افتقاد للإحساس بالاستقرار والأمان.. وأمل في مستقبل أفضل يلوح بريقه ثم يخبو.. حسب اتجاه رياح الصراعات الدولية التي تؤثر في أوضاع المنطقة بكاملها”.

مهّد محمود دياب لذلك ببراعة في تلك “العوّامة” التي تسكنها مجموعة من طلبة كلية الفنون الجميلة، ينتمون إلى أماكن متباعدة من الوطن العربي.. “العوّامة” المهتزة دوما، المرتبطة بالأرض بحبال قديمة واهية.. وجسر خشبي لا يكف عن الاهتزاز تحت وطأة أقدام العابرين.. وذلك العالم المتضارب من الألوان والتكوينات والنظريات والأصوات والمشاعر.. كل ذلك في رواية ظهرت في عام 1963 قبل النكسة بعدة أعوام.

يقول شعث في مذكراته: “أننا في (جماعة السينما الجديدة)، في ذلك الوقت، لم نكن نملك رفاهية الحلم بعمل فيلم بالألوان بالرغم من أن أجواء كلية الفنون التي كانت خلفية الأحداث، كانت تقتضي ذلك”، وقد استغرقت كتابة سيناريو الفيلم من غالب أكثر من عام، وجاء حاملا تساؤلات عن ما أكثر ما تخفيه الظلال من حقائق، وعن شكل السرد في فيلمه.

يقول غالب: “لم تكن طريقة السرد التي تعتمد على فكرة تعدد الرواة في الأدب والسينما، حيث تتكامل رواياتهم أو تتعارض أو تتقاطع، وتخلق من القارئ أو من المشاهد شريكا في الحدث وصناعته بجديد على الأدب ولا السينما، ومع ذلك كان هناك من ينصحني بأن أختار شكلاً سردياً أسهل، خصوصا وأنني كنت إزاء أول عمل سينمائي روائي طويل.. وظلت هذه النصيحة تلاحقني إلى ما بعد الانتهاء من التصوير، إلى مرحلة (المونتاچ)، أو تركيب الفيلم”.

كانت الصورة حزينة، عنيفة حينا، شاعرية ناعمة حينا آخر.. تشبه أجواء تلك الفترة وكانت مجموعة الممثلين الصاعدي حينها في أفضل حالاتهم: محمود ياسين، نجلاء فتحي، مديحة كامل، محمد حمام، أحمد مرعي.

وقد عرض الفيلم بعد ذلك في نادي السينما.. وكان الجميع بانتظار أول فيلم مصري يخرجه مخرج فلسطيني يضع القضية الفلسطينية، بطريقة فنية في سياق سينمائي يبتعد عن الشعارات وعن المباشرة، ويتجه إلى الجانب الإنساني من خلال شخصية الطالب الفلسطيني في كلية الفنون الجميلة الذي يجد نفسه يقطن مع أربعة من زملائه في عوامة في النيل، يختلف ويتشاجر معهم، ويشهد على ما يقع من أخطاء، ويعلن رفضه للشعارات التي تستخدم للتبرير، ويرفض الهروب العاجز في النهاية، فيتخلى عن تلك الأحلام المؤجلة، ويتوجه إلى الأردن للالتحاق بالمقاومة الفلسطينية.. الأمل الوحيد الذي يراه ممكنا.

كانت هذه الشخصية بالطبع من ابتكار غالب، ولم يكن لها وجود في رواية محمود دياب، كما قام غالب بتغيير الكثير من التفاصيل، لكنه حافظ، تماما كما طلب منه دياب، على العوامة كمكان مميز له دلالاته في هامشيته واهتزازه وانفصاله عن الأرض الصلبة، كما حافظ على الشخصيات الرئيسية، ومنها شخصية “روز” التي يستغلها “محمود” ويقيم معها علاقة جنسية تكون نتيجتها أن تحمل وتنجب منه، لكنه يلفظها ويتخلى عنها، وهي المدخل الدرامي الذي ينفذ منه السيناريو إلى تجسيد التناقضات القائمة في الفكر والوعي بين شباب العوامة وتشريح  لمجتمع الهزيمة من خلال ذلك.

لكن الفيلم سرعان ما واجه مصيرا غير متوقع، حسبما ذكر أمير العمري في كتابه عصر السينما، لقد منع عرض الفيلم مع ثلاثة أفلام أخرى هي “العصفور” ليوسف شاهين، و”التلاقي” لصبحي شفيق، و”زائر الفجر” لممدوح شكري.. وفي حين كان العصفور من إنتاج يوسف شاهين بتمويل من الجزائر، وكان زائر الفجر من إنتاج بطلته ماجدة الخطيب، كان التلاقي  والظلال على الجانب الآخر من إنتاج مؤسسة السينما المصرية أي الدولة.. أي أن الدولة أنتجت والدولة منعت؛ كان هذا الوضع قائما في فترة كانت تشهد جدلا كبيرا حول حالة اللاسلم واللاحرب، والانتفاضات الطلابية ضد نظام السادات.. المشغول بتصفية خصومه السياسيين الذين كان يشتم وجودهم بوجه خاص في أوساط المثقفين، ولذلك كانت السينما المختلفة مستهدفة في هذا السياق.. وكان السادات قد عين يوسف السباعي وزيرا للثقافة في 1973، وجاء السباعي بعد ذلك في العام التالي عندما سئل عن الأفلام الممنوعة فوصفها بأنها من أفلام التلبك المعوي، وأنها تدعو للاستسلام وتشيع أجواء اليأس والهزيمة.

ويقول غالب شعث عن فيلمه وعن أسباب منعه من العرض مسلطا الضوء على جانب آخر مجهول من جوانب الفكر الرقابي في تلك الفترة: “طال انتظاري للتصريح بعرض فيلم (الظلال …… وقدمت جماعة السينما الجديدة طعنا في حكم الرقابة الذي يمنع عرضه، مما أتاح عرض الفيلم أمام لجنة رقابية جديدة”.

یستمر غالب شعث قائلا: “كانت إحدى اعتراضات الرقابة على الفيلم هي تلك المشادة العنيفة التي جرت بين عمر ومحمود الذي كان نصيبه علقة ساخنة تمنت حدوثها إحدى مندوبات الرقابة وأيدها زميلها في ذلك قبل وقوعها.. لم يكن الاعتراض على الموقف أو نتائجه، فقد اعترفت الرقابة بالضرورة الدرامية لذلك التصاعد والدليل على ذلك هو ما تشي به بقية أحداث الفيلم.. فقد انضم عمر للمقاومة الفلسطينية.. وانطلقت من أعماقه طاقة كامنة كان لابد من تحريكها.. الرفض.. العنف.. المقاومة، ولكن كان الاعتراض على جنسية عمر، قالوا: كيف يضرب فلسطيني مصريا؟.

ولطالما قال كثيرون كيف تكون ضحالة تفكير الرقابة سبب في قتل الإبداع أو لجم المبدعين ناهيك عن الاعتراض على فكر الكاتب والمخرج التي يتبناها سيناريو الفيلم وتفسيرها بالدعوة الصريحة إلى تعدد الأحزاب المرفوضة في ذلك الوقت.. أو الاعتراض على الدعوة الواردة على لسان الطالب الفلسطيني “عمر” إلى فكرة “الدولة الديمقراطية العلمانية” التي يعيش فيها أهل الأديان الثلاثة متساوون في الحقوق والواجبات دون أي تفرقة، أما أكثر الاعتراضات عنادا وأغربها فهو اعتراض السيد محمد الدسوقي رئيس هيئة السينما في ذلك الوقت على الخلفية الصوتية لأحد مشاهد الفيلم الجارية قبيل الهزيمة، حيث كنا نسمع صوت أم كلثوم المنبعث من الراديو في مقطع من إحدى أغانيها، كنت أرى أنه يناسب ذلك الموقف في تلك الظروف.. ويعلق غالب على الأمر بقوله: أن السيد محمد الدسوقي هو ابن شقيقة السيدة أم كلثوم، وقد اعتلى منصة مهرجان كارلوڤي ڤاري بعد ذلك ليتسلم الجائزة بالنيابة عني لغيابي.

كان فيلم “العصفور” ممنوعا من العرض في ذلك الوقت، واستمر المنع، ولم يعرض الفيلم سوى في العام التالي بعد حرب أكتوبر؛ أي في عام 1974، كما أفرجت الرقابة عن فيلم “الظلال في الجانب الآخر” عام 1975 بعد أن حذفت منه بعض اللقطات، وكذلك الأمر مع فيلم زائر “الفجر”، وأصبح “العصفور” مدرجا في تاريخ السينما المصرية على أنه ينتمي إلى عام 1974 في حين أنه كان قد أصبح جاهزا للعرض قبل عامين من تاريخ عرضه العام على الجمهور، وأصبح زائر “الفجر” و”الظلال في الجانب الآخر” ينتميان زمنيا، إلى عام 1975 في حين أنهما فعليا من إنتاج 1972.

ولم تستمر بالطبع تجربة جماعة السينما الجديدة بعد إغلاق السادات لمؤسسة السينما وتصفية القطاع العام السينمائي، وبقي فيلم الظلال تابعا من ناحية الملكية للجهة التي ورثت القطاع العام السينمائي “الشركة القابضة التابعة لوزارة الاستثمار“.

المؤسف أن غالب شعث عجز حتى وفاته أن يعرف مصير نسخة فيلمه، وفشل في الحصول على نسخة منه على اسطوانة مدمجة يحتفظ بها لنفسه، المؤسف أيضا أن الفيلم خرج للعرض بلبنان أثناء منعه من العرض في مصر؛ فقد عرض الفيلم في بيروت عام 1973 ولكن بعد أن قام الموزع اللبناني للفيلم -حسبما يروي غالب شعث- بحذف بعض المشاهد منه مستعينا بالمخرج حسام الدين مصطفى، وقد فوجئ غالب بما وقع للفيلم من مذبحة عندما ذهب لحضور مناقشة الفيلم في نادي السينما في بيروت، ويقول غالب 

أنه علم أيضا بأن الموزع اللبناني كان قد طلب من مونتير الفيلم أحمد متولي إضافة بعض المشاهد التي تصور العبور في 6 أكتوبر 1973، كما طلب من صاحب مطابع النصر في القاهرة إضافة عبارة تقول أول فيلم مصري عن العبور على أفيشات الفيلم علما بأن سيناريو الفيلم قد تمت كتابته في عام 1969 وتم تصويره في عام 1971 وعندما لم يستطع الموزع تحقيق فكرته لجأ إلى الاستعانة بحسام الدين مصطفى، الذي قام بنفسه بحذف عدد كبير من مشاهد الفيلم، وقيل أنه أشار على الموزع أن يختار صورا معينة لوضعها في الإعلانات عن الفيلم، كما أشار على الموزع بأنه لا داع لذكر اسم المخرج على ملصقات الفيلم.

ويؤكد غالب أن إعلانات الفيلم في بيروت، ظهرت بصور ملفقة وبدون أي إشارة إلى اسم مخرجه.لم تنفصل السينما عن واقع الأحداث السياسية ولم تنج كذلك من تبعات التناول غير المرضي لأصحاب القرار، فأجلت وحذفت ومنعت ، ودارت في كواليس صنع تلك الأفلام دراما موازية لما احتوته.