الشائع عن قصية نوح عليه السلام، هو الحديث عن أبنائه الثلاثة: سام وحام ويافث، وأين استقرت سفينة نوح بعد الطوفان؟ والشعوب التي تنسب لكل واحد من أبنائه، إلا أن هناك فئة دائما ما ننساها ونتعامل معها على أنها لم توجد أبدا، ولا نشغل أنفسنا بالتفكير في سلالة هذه الفئة وأحفادهم وأين استقروا، هذه الفئة هي ما يطلق عليها في القرآن الكريم اسم “من آمن”.

فئة “من آمن”

يقول الله تعالى في سورة هود الآية (40): {حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ ۚ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ}، ما يعني أن السفينة ركبها كل من نوح عليه السلام وأهله وأبنائه، بالإضافة إلى قلة من الناس آمنت بنوح وبصدق رسالته، وهم من يطلق عليهم “من آمن”.

ولكن من أين جاءت فئة “من آمن”؟ هل من منطقة واحدة محددة؟ أم جاؤوا من مناطق كثيرة ومختلفة؟ الحقيقة أن هذه النقطة مختلف عليها، وهناك وجهات نظر كثيرة حولها، ولكن خلاصة القول إنه لا يوجد معلومة ثابتة ومؤكدة حول أصول هذه الفئة، ولا مصيرهم بعد الطوفان.

إلا أن هناك قصة مذكورة في أكثر من كتاب، تتكلم عن المصري الوحيد الذي آمن بنوح عليه السلام وركب معه السفينة، وهذه القصة منقولة على لسان القاضي القضاعي، ومذكورة في عدة كتب، مثل “أنوار علوي الأجرام” للإدريسي، و”معجم البلدان” لياقوت الحموي، و”الخطط” للمقريزي، فما قصة هذا الرجل؟!

المصري الذي ركب سفينة نوح

تقول هذه القصة إن ملكا على مصر كان يدعى “فيلبس” أو “فيلبش” وجد صحيفة مكتوبة باللغة القديمة للمصريين التي كانوا يستخدمونها قبل الطوفان، والتي كان يطلق عليها المؤرخون العرب اسم لغة “الكتاب الأول”، فبحث الملك عمن يترجم له هذه الصحيفة فلم يجد في مصر كلها من يعرف تلك اللغة القديمة، إلا أخوين اسمهما “أيلو” و”برثا”.

اندهش الملك وتساءل: لماذا هذين الأخوين تحديدا هما فقط من يعرفان اللغة المصرية القديمة دون باقي المصريين؟ فأخبراه الأخوان أنهما أحفاد رجل من أهل مصر الأوائل، هو الوحيد الذي نجا من الطوفان من أهل مصر، وكان سبب نجاته أنه توجه إلى نوح عليه السلام وآمن به، وركب معه السفينة ليصبح واحدا من فئة “من آمن”.

وبعدما انتهى الطوفان وجفت الأرض ورست السفينة، قرر الرجل المصري جد “أيلو وبرثا” أن يرجع إلى بلاده، وبالفعل رجع مع بعض أبناء حام بن نوح حسب قصة القضاعي، وعاش فيها وتزوج وأنجب، وورث أبنائه علم لغة المصريين القدماء “الكتاب الأول”، وظل أحفاده يتوارثون هذا العلم، إلى أن وصل إلى حفيديه “أيلو” و”برثا” في زمن الملك “فيلبس”.

تاريخ مصر الخرافي

بحسب القصة السابقة، فإن رسالة نوح عليه السلام وصلت إلى المصريين بشكل أو بآخر، ولم يؤمن بها إلا شخص واحد فقط من بينهم، هو جد “أيلو وبرثا”، وبالتالي كان هو الوحيد أيضا من المصريين جميعهم الذي نجا من الطوفان، كما أن القصة تقول بأنه ليس جميع المصريين الحاليين من نسل حام ابن نوح فقط كما يعتقد، ولكن يوجد من بينهم مصريين أصلاء ترجع أصولهم إلى المصريين الأوائل الذين عاشوا قبل الطوفان مباشرة، هم سلالة “جد أيلو وبرثا”، وطبقا لهذا المعنى يصبح المصريون هم الشعب الوحيد الذي لم يندثر بسبب الطوفان.

ولكن، ما مدى صحة هذه القصة تاريخيا؟ وهل ما ذكر بها له أي علاقة بالواقع؟ إن الإجابة على هذا السؤال برأي قاطع تكاد تكون شبه مستحيلة، خاصة وأن القصة تتناول أحداثا يثور حولها خلاف وجدل ونقاش تاريخي كبير بعيدا عن المذكور في الكتب السماوية.

كما أن من نقل القصة، هم المؤرخون العرب في معرض حديثهم عن المصريين القدماء، ومن المعروف أن الغالبية العظمى من كتابات المؤرخين العرب عن مصر القديم -قبل فك رموز اللغة الهيروغليفية- كانت مجرد أساطير وقصص متخيلة وشخصيات أسطورية لم توجد أبدا، حتى إن البعض يطلق على التاريخ العربي المتخيل عن مصر اسم “تاريخ مصر الخرافي”.

بقايا متحجرة موجودة بجبل “ماسيس” بأرمينيا، يعتقد البعض أنها بقايا سفينة نوح عليه السلام.