Tajawal


ربما لا يعرف الكثيرون، أن الكعبة المشرفة الموجودة بمكة المكرمة، لم تكن هي الكعبة الوحيدة المقامة في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام وكان يحج إليها طوائف من العرب، فقد كانت هناك العديد من المباني الدينية والمعابد التي بنيت على نفس الشكل والطراز المكعب في مواقع مختلفة، والتي يمكن أن نطلق عليها لفظ “كعبات”، والتي كان أشهرها على الإطلاق هي كعبة مكة.

وكانت هذه الكعبات، تشهد طقوسا متشابهة إلى حد ما في العصر الجاهلي، فقد كان المؤمنون بكل كعبة يحجون إليها ويقدمون القرابين إلى الأصنام المنتصبة أمامها معتقدين أنها بيت الله على الأرض، ويدعون أمهامها ويطوفون حولها أيضا.

وقال ابن إسحاق في السيرة، إن العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة، لها سدنة وحجاب وتهدي لها كما تهدي للكعبة وتطوف بها كطوافها بها وتنحر عندها، مؤكدا في الوقت ذاته أن كل المؤمنين بتلك الكعبات، كانوا يعرفون فضل كعبة مكة المكرمة وأنها تفضلهم جميعا خاصة وأن من بناها هو نبي الله إبراهيم عليه السلام.

وتشير بعض الدراسات إلى أن شبه الجزيرة العربية كان بها قرابة 24 كعبة بنيت في أزمنة مختلفة قبل الإسلام، وبعد البعثة المحمدية ودخول العرب في الإسلام، اندثرت أغلب هذه المباني ونسيها أصحابها بعدما تحولت إلى أطلال، إلا أن بعضها ظل صامدا كأثر تاريخي.

ومن بين هذه الكعبات، “كعبة غطفان” والتي هدمها خالد بن الوليد، و”كعبة بيت الأقيصر” بالقرب من الشام وكانت تحج إليها قبائل قضاعة ولخم وجذام وعاملة، و”كعبة سقام” في وادي حراض وكان حجمها من الضخامة حتى أنه كان يضاهي الكعبة المشرفة بمكة المكرمة، و”كعبة رضاء” التي هدمها المستوغر بن ربيعة بعد ظهور الإسلام، و”كعبة شداد” الخاصة بقبائل أياد في تهامة وظلت قائمة حتى اعتنقوا المسيحية ثم دخلوا في الإسلام، بخلاف كعبة “القليس” التي بناها أبرهة الأشرم في اليمن.

ومن أشهر هذه الكعبات، والتي لا تزال أطلالها باقية إلى اليوم، “كعبة نجران” والتي يعتبرها البعض “أقدم كنيسة شيدت في شبه الجزيرة العربية”، حيث بنيت قبل الإسلام بقرابة 40 عاما، وشيد هذه الكعبة بنو عبدالمدان بن الديان الحارثي فوق قمة جبل “تصلال”، على نسق الكعبة المشرفة “مبنى مكعب”، ويقال أنها كانت مكسوة بالجلد، وكانت تحظى بمكانة كبيرة لدى أهالي نجران.

كعبة “ذو الخلصة”

أما كعبة “ذو الخلصة” فقد كانت آخر كعبة ظل العرب يحجون إليها، وسيندهش القارئ عندما يعلم أن تلك الكعبة ظلت قائمة ويحج إليها بعض الناس حتى عام 1925 ميلادي، أي قبل 90 عاما فقط!

بنيت كعبة “ذو الخلصة” في منطقة تبالة -شمال غرب محافظة بيشة بمنطقة عسير السعودية حاليا- وكان يحج إليها ويعظمها قبائل “دوس وبجيلة وخثعم وأزد السراة وبنو الحارث بن كعب وجرهم وزبيد والغوث بن مر بن أد وبنو هلال”.

وكان يطلق على هذه الكعبة اسم “الكعبة اليمانية” تفريقا لها عن الكعبة المشرفة في مكة المكرمة والتي كان يطلق عليها “الكعبة الشامية”، وبنى “ذو الخلصة” رجل كان يطلق عليه “طاغية دوس” وكان غرضه من ذلك صرف الناس عن الكعبة المشرفة واجتذابهم إلى قبيلته.

وبعد البعثة، أرسل النبي صلى الله عليه وسلم، جرير بن عبدالله البجلي حين أسلم إلى ذي الخلصة لهدمها، فأخذ معه 150 رجلا من قبيلة “أحمس” وقام بتخريب المبنى وحرقه وتدمير الصنم الذي كان قائما أمامها، إلا أنه يبدو أن المبنى لم ينهار بشكل كامل.

وبعد عصر النبوية، ظل مبنى “كعبة ذي الخلصة” قائما، حيث حوله المسلمون إلى مسجد للصلاة طيلة عدة قرون، ولاحقا أطلق عليه اسم “مسجد تبالة”.

ويقول الباحث رشدي صالح ملحس، في تحقيقه لكتاب “أخبار مكة” للأزرقي، أن مبنى كعبة “ذو الخلصة” كان من الضخامة بحيث لم يستطع من توجهوا لهدمه على تسويته بالأرض، أو أنهم لم يريدوا سوى تدمير الصنم وتخريب المبنى.

ومن أغرب ما كشفه الباحث، أن المبنى ظل قائما حتى بدايات القرن العشرين، لافتا إلى أنه عندما اضطربت الأوضاع الأمنية في شبه الجزيرة العربية نتيجة الصراعات السياسية، ساد الفقر الشديد بين القبائل العربية، وفي ظل هذه الظروف، لجأ الكثيرون للزهد والتنسك والرجوع إلى الله، فيما قامت قلة بالانقلاب والعودة إلى حياة الجاهلية وإعادة إحياء البدع والخرافات، حيث عادت للتمسح بالأحجار والأشجار.

مضيفا أن قبيلة دوس ومن جاورها من القبائل، كانت في طليعة القبائل التي أحيت هذه المظاهر، حتى أنهم توجهوا إلى مسجد تبالة، وأحيوا فكرة كونه كعبة، وأخذوا في التمسح به والنحر عنده والدعاء أمام حجارته والطواف حوله!

عندما استقرت الأوضاع في يد أسرة عبدالعزيز آل سعود مؤسس الدولة السعودية الحالية، طلب منه بعض رجال الدين في عام 1925 بإرسال حملة عسكرية مصغرة لهدم “كعبة ذي الخلصة” وتسويتها بالأرض.

وقال أحد الذين شاركوا في عملية الهدم، إن بنيان تلك الكعبة كان قويا، بحيث لا يقدر على نقل الحجر الواحد إلا عشرات الرجال، وحتى الآن لاتزال أطلال تلك الكعبة باقية في مساحة لا تتجاوز الـ300 متر.

وفيما يلي مجموعة صور لبعض أطلال تلك الكعبات (الصورة بالأبيض والأسود تخص كعبة القليس)