لسنوات طويلة، كان هذا النهر الذي يجري على الحدود بين غرب إيران وجنوب العراق هو الشريان النابض بالحياة ؛ فعلى ضفافه انتعشت الزراعة وصيد الأسماك، ونشأت العديد من الأسواق، وازدهرت قرى بأكملها بفضل مياهه العذبة، لكن هذا النهر، الذي كان يوما مصدرا للحياة، لم يعد كذلك الآن؛ فملوحة البحر الزاحفة من الخليج أجهزت على بساتين النخيل، وأضعفت الثروة الحيوانية والسمكية، فيما تراجع منسوب المياه حتى باتت زراعة الأرز وتربية الأسماك في محافظة خوزستان الإيرانية من المحظورات.
شط العرب هو الاسم الأكثر ذيوعاً للنهر، وهو أيضاً الإسم العربي أما بالفارسية يسمى نهر أروند رود، وهو نهر يتكون من التقاء نهري دجلة والفرات في مدينة القرنة بالعراق، ويمتد بطول حوالي 190 كيلومترًا ليصب في الخليج.
وسط هذا الانهيار الصامت، تبرز معاناة النساء والعائلات؛ فالأمهات يجبرن على السير لساعات بحثا عن شربة ماء، والمزارعون يشاهدون أشجارهم تموت ببطء بينما هم عاجزون لا يقدرون على فعل شيء، والفتيات يتركن المدارس للعمل وكسب الرزق، بينما يهاجر الشباب في موجات بحثا عن فرصة للحياة في مكان آخر، الجميع هنا يواجه أزمة عميقة، تتجاوز ندرة المياه، لتلامس كرامة الإنسان وأبسط حقوقه في البقاء.
لكن الأسوأ من الجفاف والملوحة، هو الصمت؛ فلا أحد يسمع أنين من فقدوا نهرهم، ولا أحد يروي قصص من باتوا على حافة العطش، لذا فإن هذه القصة هي محاولة لكسر هذا الصمت، لسرد ما لا يقال، وتوثيق حكاية نهر يحتضر، وشعب يكافح كي لا يموت معه.
صراع من أجل البقاء
“كان هذا المكان جنة في الماضي. كانت حياة الناس رائعة، وكانت أشجار النخيل مزدهرة ومثمرة، كل ما كنا نزرعه كان ينمو ويعطي ثماره بوفرة؛ فالتربة كانت خصبة للغاية، والمياه وفيرة، لذا لم تكن لدينا أي خلافات حول حقوق المياه، أما الآن، فقد تحول كل شيء، بعدما ماتت الأرض بسبب الملوحة”.
هكذا يصف الحاج كريم، بكلمات حزينة، قصة شط العرب وما آل إليه؛ فالرجل البالغ من العمر 82 عاما، والذي قضى أغلب سنواته وهو يعمل في بساتين النخيل مع والده وإخوته بمنطقة أروندكنار، بات حزينا يحاصره الإحباط وهو يقارن بين ما كانت عليه أرضه من ازدهار في الماضي، وبين المصير المجهول الذي أصبح يواجهه اليوم.
يتابع الحاج كريم بقوله: “عندما كنا أطفالا، كنا نسبح في هذه المياه، أما الآن، وبسبب التلوث والملوحة، فلا نسمح لأطفالنا حتى بالاقتراب من النهر، فالملوحة حرمت الناس من مياه الشرب ومن الاستمتاع بمياه النهر، ورغم أن الحكومة تجلب لنا المياه العذبة عبر الصهاريج، إلا أننا لم نفقد الأمل في الحصول على مياه نظيفة”.
لم يكن شط العرب في السابق مجرد مجرى مائي؛ بل كان واحدا من أهم مصادر المياه العذبة في الشرق الأوسط؛ فلعقود، كان النهر يروي الحقول، ويحيي القرى، وينعش الأسواق، لكن شيئا فشيئا، تراجع دوره، ومع تناقص تدفقات نهري دجلة والفرات، وانحسار مياه الكرخة وكارون، بدأ مياه النهر تتغير وتفقد عذوبتها، وحين زحفت ملوحة الخليج عليه، كانت النتيجة كارثية: نهر لم يعد يصلح للشرب، ولا للزراعة، ولا للحياة.
ثم جاءت الضربة الثانية من المصانع، والمنازل، والمستشفيات، التي أصبحت تلقى مخلفاتها في النهر بلا رقيب؛ وهكذا، لم تعد المياه فقط مالحة، بل ملوثة ومليئة بالأمراض، وما كان يوما موردا للحياة، أصبح ناقلا للموت.
في البصرة، وخوزستان، ومناطق الجنوب المحاذية للنهر، تغير كل شيء؛ فالأرض التي كانت خصبة تحولت إلى سبخة، والماشية التي كانت ترعى وتدر الحليب صارت مصابة بالأمراض ومعرضة للموت بسهولة، والحرف اليدوية التي كانت مصدر فخر ورزق اندثرت، لكن من بين كل هذا الانهيار، تقف النساء في مواجهة يومية مع المعاناة؛ فالماء لم يعد موجودا، ومعه رحلت الطمأنينة، حيث تضطر الأمهات للسير لساعات من أجل ملء جالون ماء واحد، وبات الفتيان يجبرون على ترك مدارسهم، ليحملوا الدلاء بدلا من الدفاتر، أما الأطفال، الذين اعتادوا اللعب في النهر، فقد باتت مياهه تمرضهم بدل أن تمنحهم السعادة والبهجة.
الموت على جذوع النخيل
يقول حسن مهدوي، مهندس زراعي وصاحب محل لبيع المستلزمات الزراعية في أروندكنار: “على مدار آلاف السنين، كان المزارعون على ضفتي شط العرب يستفيدون من ضفافه الخصبة؛ فقد أدركوا أن حركة المد والجزر يمكن أن تسهم في الري، فبنوا قنوات عمودية على النهر لتوصيل المياه إلى بساتين النخيل أثناء المد، مما كان يساعد على ري الأشجار بسهولة، لكن الآن، ومع انخفاض تدفق المياه العذبة إلى النهر أصبحت هذه الظاهرة نقمة على بساتين النخيل”.
يضيف مهدوي، الذي يحاول مساعدة المزارعين بخبرته: “لدينا مبيدات وأسمدة لأنواع مختلفة من الآفات والأمراض، لكن لا شيء يمكنه مواجهة ملوحة المياه. الحل الوحيد هو توفير مياه عذبة للنباتات والأشجار”، يختتم كلماته بإشارة من يديه تعبر عن إحساسه بقلة الحيلة، فتوفير المياه العذبة لهذه المساحات الشاسعة من بساتين النخيل والأراضي الزراعية بات أمر بالغ الصعوبة، وفي بعض الأحيان شبه مستحيل.
في متجره الصغير وسط أروندكنار، يقف أحمد كيّار أمام صناديق التمور بوجه لا يخفي إحساسه بالخيبة، يمرر يده على إحدى الحبات ويقول بصوت يملؤه الأسف: “النخيل ما زال واقفا، لكن ثماره لم تعد كما كانت”.
يشرح كيّار بأن الملوحة لم تقضِ تماما على الأشجار، لكن أثرها تسلل إلى قلب الثمرة: “نحصد التمر، نعم، لكن الجودة تراجعت، لم يعد أحد يرغب في شرائه، وإن اشتروا، فبسعر بالكاد يغطي التكلفة”، ويتابع بصوت يتردد بين الحنين للماضي ومحاولة الهروب من الواقع الصعب: “لم نفقد المحصول فقط. فقدنا السوق أيضا”، فقد كانت تمور كيّان وأمثاله من المزارعين تغطي الاحتياج المحلي وتصدر للخارج، أما اليوم، فالمزارعون يبيعونها مضطرين بأثمان زهيدة، قبل أن يأكلها العفن.
شباك تصطاد النفايات لا الأسماك
على الضفة الأخرى من النهر، حيث تبدو الخيارات شحيحة والحلول غائبة، كانت هناك وجوه كثيرة تنتظر فرصة للكلام، وما إن اقتربت منهم وعرفوا أنني صحفي، حتى تجمع الناس كأنهم وجدوا أخيرا من يصغي لهم.
في مقدمتهم، وقفت امرأة في منتصف العمر، بملامح يكسوها الغضب والقلق، اسمها أم سلمى، وبالقرب منها ابنتها الصغيرة التي تناديها بلهجة جنوبية، حيث تحدثت أم سلمى بصوت لا يخلو من الألم، قائلة: “لا ماء لدينا، ولا حياة، ولا مستقبل”.
كانت كلماتها أشبه بصرخة عاجزة، تحدثت عن المرض الذي بدأ يتسلل إلى أجساد أطفالها من الماء المالح، عن أشجار النخيل التي جفت، عن الماشية التي ماتت عطشا. قالت: “لم يكن أمامي سوى إرسال أبنائي إلى بغداد بحثا عن لقمة العيش. أنا قلقة عليهم، نعم، لكن ماذا بوسعي أن أفعل؟ نحن هنا بلا بدائل”.
تكمل بنبرة أكثر انكسارا: “زوجي ينهار كلما نظر إلى الأشجار التي رعاها لعشر سنوات وهي تموت أمامه. تدهورت جودة محاصيلنا، ولم نعد نجد ماء للشرب. كل يوم نكافح من أجل البقاء، لكن الماء لم يعد موجودا، وحتى الحيوانات لم تعد قادرة على تحمّل العطش، فتموت واحدة تلو الأخرى.”
وعلى بعد خطوات من أم سلمى، وقف نور الدين، الشاب العشريني، يختصر مأساة عائلته في كلمات حزينة: “الزراعة كانت إرثنا. أبي وجدي عاشا منها. اليوم، لا شيء يزرع، ولا شيء يحصد. اضطررت إلى العمل كعامل بالأجر اليومي. الشجر لم يعد يعيلنا”.
وعلى مقربة منهم، كان أحد الصيادين قد عاد لتوه من البحر. فتح شباكه بتثاقل، ثم قال بحسرة: “كنا نصطاد من هنا، من هذا النهر. اليوم، لا سمك فيه. نضطر للخروج إلى البحر، وهو أكثر خطورة. وغالبا، حين نسحب شباكنا، لا نجد فيها إلا زجاجات بلاستيكية ونفايات بدلا من الأسماك”.
فقدنا النخيل.. فبدأ كل شيء في الانهيار
تقول سمية سادات موسوي: “هذه الأزمة وتبعاتها لا تؤثر فقط على البيئة الاقتصاد؛ فحياة الناس، ممن يعتمدون على النخيل والتمور، تأثرت بشكل كبير أيضا، ولذلك، يجب أن نولي اهتماما خاصا للتداخل المعقد بين الطبيعة، والاقتصاد المحلي، والثقافة، والحياة اليومية في المجتمعات الجنوبية؛ خصوصا النساء والأطفال الذين كانوا الأكثر تضررا”.
وتتابع موسوي التي تعمل محاضرة وخبيرة في ريادة الأعمال الريفية: “الملوحة، وجفاف التربة، ونقص المياه العذبة، وانهيار النظام البيئي، والموت التدريجي لأشجار النخيل، كل واحد من هذه العوامل له آثار مباشرة وغير مباشرة، لكن الأبعاد الاجتماعية والثقافية غالبا ما يتم تجاهلها، رغم آثارها الواسعة، مثل: الهجرة القسرية، الفقر، التسرب المدرسي، تزايد الضغوط النفسية على النساء والأسر، فقدان جزء من التراث الثقافي للجنوب، تضرر سبل العيش، وتراجع الصناعات اليدوية القائمة على النخيل، والتي تعتمد بشكل كبير على النساء والأطفال، وتعطل ريادة الأعمال المحلية”.
موسوي التي تركز في نشاطها الاجتماعي على توظيف النساء، ترى أن النخلة ليست مجرد شجرة “بل هي نمط حياة، لها قيمة ثقافية ورمزية بين الناس، تشكل جزءا من معتقداتهم وروتينهم اليومي. ومع فقدان النخيل، يبدأ كل شيء في الانهيار”.
تتابع موسوي بكلمات دقيقة في محاولة منها لتوضيح عمق الأزمة: “لطالما استخدمت النساء والأطفال سعف وأغصان النخيل في أنشطة مختلفة مثل: حياكة السلال، والفرش، والحبال، والمراوح، والمفارش، وأغطية الطاولات، والدمى، والستائر، والسجاد، وغيرها، ويلقى سنويا أكثر من ٧٥٪ من منتجات النخيل كمخلفات، وحتى من هذا الجزء، غالبًا يقوم الأطفال والنساء باستخدامه لإنتاج سلع قابلة للتداول” مشيرا إلى أن كل هذا كان من الماضي.
وبالرغم من بساطة الحرف اليدوية المرتبطة بالنخيل، إلا أنها كانت عاملا أساسيا في حياة الأطفال والنساء، تقول موسوي: “كل منتج يعكس مهارة النساء، ومعرفتهن المتجذرة، وإبداعهن في الحفاظ على هذه الحرف من جيل إلى جيل، ومن خلال هذه الأعمال التي قد تبدو بسيطة، تحولت النساء والأطفال إلى رواد أعمال، واكتسبوا مصدر رزق، وساهموا في دعم أسرهم اقتصاديا، وفي الوقت ذاته حافظوا على ثقافتهم حية، وساهموا في نمو السياحة في المنطقة”.
وتختتم قولها بكلمات موجزة، تختصر عمق الأزمة: “المجتمع يشبه النظام البيئي. كل كيان فيه، كبيرا كان أم صغيرا، يلعب دورا أساسيا في الحفاظ على استدامته، وعندما ينكسر هذا الرابط، ينهار النظام بأكمله؛ هنا، كان النخيل يمثل قلب هذا النظام – وهو الآن يموت”.
نهر بطعم العلقم
في مركز صحي صغير بجزيرة مينو، تفتح الدكتورة سميرة إبراهيمي سجلاتها، وتمرر أصابعها فوق الأرقام المتزايدة، قبل أن ترفع عينيها وتقول: “منذ عام 2018، ونحن نلاحظ تصاعدا خطيرا في عدد الأطفال الذين يأتون إلينا مصابين بأمراض في الجهاز الهضمي، وطفح جلدي، والتهابات متكررة. لقد تضاعفت الحالات تقريبا، خاصة في فصل الصيف حين تشتد الأزمة.”
ورغم محاولات الفريق الطبي توعية السكان بمخاطر المياه الملوثة، تصطدم النصائح بواقع قاسٍ: لا ماء أصلا.
تقول الدكتورة سميرة: “طلبنا من الأهالي عدم استخدام مياه النهر للشرب أو الطهي أو حتى للسباحة، وخصوصا مع الأطفال. لكن ماذا يمكن أن يفعلوا إن لم يكن أمامهم خيار آخر؟ عندما تنعدم المياه النظيفة، يضطر الناس لاستخدام ما هو متاح، ولو كان ملوثا”.
وتشرح الطبيبة كيف أن أزمة المياه لا تتوقف عند حدود الصحة الجسدية، فحين تختفي المياه، تتفكك الحياة الاجتماعية من الداخل؛ ففي البصرة على سبيل المثال، تركت الكثير من الفتيات مقاعد الدراسة، ليس لعدم الرغبة في التعلم، بل لأنهن يجبرن على السير لمسافات طويلة يوميا بحثا عن الماء.
وبينما تنشغل الفتيات بالحصول على المياه، تتراجع الأحلام، ويتقدم الفقر. تقول سميرة: “النساء المعيلات لأسرهن يواجهن اليوم عنفا منزليا، سوء تغذية، وأعباء متراكمة لا طاقة لهن بها. ومع تفشي الفقر، يصبح التعليم رفاهية لا يقدر عليها كثيرون، وخاصة الفتيات”.
نهر فقد ذاكرته
في قلب الكارثة، لم تعد الزراعة مجرد مهنة مهددة، بل أصبحت رمزا للانهيار الشامل؛ حيث يشير المهندس علي رضا فرح بخش، المتخصص في موارد التربة والمياه، إلى ما يسميه “الضربة القاصمة” التي تلقاها حزام النخيل حول شط العرب، قائلا: “نحو 60% من الأراضي الزراعية المحيطة بالنهر تضررت خلال العقد الماضي بفعل ارتفاع الملوحة، لم يعد الأمن الغذائي مضمونا، ولا سبل العيش قائمة، وبدون مياه عذبة -حتى بالحد الأدنى- لا يمكن للنخيل أن يعيش، ولا للناس أن تبقى”.
ويعزز هذا التحذير ما يورده الدكتور زمان موسوي من هيئة المياه والصرف الصحي بخوزستان، الذي يرجع الأزمة إلى تدخلات بشرية مباشرة، في مقدمتها بناء السدود في أعالي نهر الكرخة.
يشرح موسوي الأزمة بالأرقام: “كان معدل تدفق نهر الكرخة في الأهواز يصل إلى 2200 متر مكعب في الثانية. لكن سدا أُنشئ على بعد خمس كيلومترات فقط من عبادان قلص هذا الرقم إلى 12 مترا فقط، هذا السد وضع أساسا ليكون حائلا أمام زحف مياه البحر، لكنه خنق تدفق مياه النهر بدلا من حمايته”.
ولا يتوقف الأمر عند سد واحد، فقد تم تشييد سد آخر في نقطة تفرع نهر الكرخة إلى فرعين، أحدهما يصب في شط العرب ، والآخر يعرف ببهمنشير، ومع شح المياه، أصبح نهر بهمنشير أشبه بقناة ملحية؛ فقد سجلت فيه مستويات الملوحة EC -والتي تتخذ من قدرة المادة على توصيل التيار الكهربائي كمقياس- ما بين 18,000 إلى 19,000 ميكروسيمنز لكل سنتيمتر، أي ما يعادل 12 ضعف الحد الآمن لمياه الشرب، وسبعة أضعاف قدرة النخيل على التحمل، والنتيجة جفاف شامل لبساتين النخيل، وقرى بأكملها تعتمد الآن على صهاريج مياه لا تقل فيها درجة الملوحة عن 10,000 ميكروسيمنز.وتُعدّ الميكروسيمنز لكل سنتيمتر قياسًا شائع الاستخدام على نطاق واسع في مجالات مثل العلوم البيئية ومعالجة المياه لتقييم جودة المياه، حيث يرتبط هذا الرقم بتركيز الأيونات الذائبة في السائل؛ فكلما ارتفع تركيز الأيونات، مثل الأملاح، ارتفع عدد الميكروسيمنز لكل سنتيمتر.
ويضيف موسوي صورة أخرى من الجانب العراقي: “تدفق نهر دجلة أصبح خاضعا لتحكم تام، ولم تعد مياهه تصل إلى أروند، ما يتبقى في النهر الآن هو خليط ملحي، تصل درجة التوصيل الكهربائي فيه إلى 25,000 ميكروسيمنز، أي أن ما يتدفق لم يعد يسمى ماء”.
ورغم تشغيل مشروع “غدير” لتزويد المياه، لا تزال مناطق مثل خرمشهر وعبادان تعتمد على مياه شرب تبلغ ملوحتها 20,000 ميكروسيمنز، أما البصرة، فحالتها أسوأ بكثير، إذ تشرب من نفس النهر الذي فقد عذوبته، وذاكرته.
وبين وعود عن إطلاق مياه من دول المنبع، ومفاوضات عالقة بين العراق وتركيا، لا يجد الدكتور موسوي سوى حل واحد حقيقي: “لا طريق سوى الإفراج عن الحصص المائية. يجب على الحكومتين العراقية والإيرانية أن تطلقا تدفقات كافية من الأنهار المغذية لنهر الكرخة. بدون هذا الضغط الطبيعي من المياه العذبة، لا يمكن ردع زحف الملوحة، ولا إعادة التوازن للنهر”.
شط العرب يبحث عن مجده الضائع
رغم خطورة المشهد، لم تكن الاستجابة بحجم الكارثة؛ فالمبادرات التي طبقت حتى الآن اقتصرت على حلول مؤقتة، مثل توزيع مياه الشرب عبر الصهاريج ومشاريع نقل المياه إلى المناطق الأكثر تضررا. لكنها، وكما يرى الخبراء، لم تكن أكثر من محاولات للحد من الغرق في أزمة أعمق.
المشكلة الأساسية لا تزال قائمة: غياب المياه العذبة.
وبينما تشير الدراسات إلى أن الحل الجذري يكمن في إطلاق تدفقات المياه من المنابع العليا للأنهار، ترفض الحكومات ذلك بذريعة أولوية الاستهلاك المحلي، ما يعني أن النهر سيظل رهينة الجفاف، حتى إشعار آخر.
وفي مواجهة هذا المأزق، يقترح عدد من الخبراء خيارا بديلا: إنشاء سد تنظيمي في نهاية مجرى شط العرب ، في النقطة التي يلتقي فيها بالمحيط. قد يسهم هذا السد في صد زحف المياه المالحة خلال فترات المد، لكنه ليس حلا سحريا نهائيا؛ فمع بقاء التدفق العذب ضعيفا، ستستمر معاناة النخيل، والمزارعين، وسكان القرى، والموانئ التي تعتمد على الملاحة النهرية.
الحل الأهم -وربما الأمل الأخير- يتمثل في تعاون إقليمي حقيقي؛ فإنشاء لجنة مشتركة بين العراق وإيران لإدارة مياه شط العرب بات ضرورة لا رفاهية، هذه اللجنة يمكن أن تضع آلية لتقاسم المياه، ومراقبة نسب التلوث، وتحديد أولويات الاستخدام، إلى جانب الاستثمار في مشاريع حيوية كتنظيف مجرى النهر (التكريك) وبناء منشآت للحماية من الملوحة.
لعل ما يحتاجه شط العرب اليوم ليس فقط ماءا نقيا، بل إرادة قوية، وقرارا شجاعا يعيد لهذا النهر شيئا من مجده، ولأهله بعضا من الحياة التي يستحقونها.












