Tajawal


يعتبر ميدان رمسيس، من أشهر الميدان في مصر على الإطلاق، وأهمها كذلك، نظرا للدور الحيوي الذي يلعبه هذا الميدان الفريد، الذي يضم بين جنباته، محطة قطار سكك حديد مصر، والتي يمر عليها مئات الآلاف من المواطنين يوميا، حتى بات الميدان نقطة عبور وقنطرة بين محافظات الجمهورية.

إلا أن بداية الميدان لم تكن شبيه بالصورة التي عليها الآن، بل كان مجرد قرية بسيطة تحيط بها المياه من عدة جوانب!

قرية أم دنين

كان يطلق على المنطقة التي أصبحت فيما بعد ميدان رمسيس، اسم قرية “أم دنين” وهو الاسم الذي أطلقه عليها العرب قبل الإسلام، حيث كانوا يمرون بها عندما يأتون إلى مصر للتجارة، وشهدت هذه القرية، واحدة من المعارك الفاصلة بين المسلمين والرومان أثناء الفتح العربي، وبعد دخول المسلمين أطلق لاحقا على القرية اسم “المقس”.

حتى سنة 680هـ / 1281م، كانت هذه القرية تطل على شاطئ النيل، وبعد ذلك أخذ نهر النيل في الابتعاد نحو الغرب، وكان هذا هو السبب في حفر الخليج الناصري لتعويض المناطق التي هجرها النهر ولإمدادها بالمياه لغرض الري ولأغراض الحياة المنزلية.

وقد استدعت حركة المواصلات إنشاء قنطرة أو “كوبري” على الخليج الناصري، كان اسمها أولا قنطرة “المقسي” ثم سميت قنطرة “باب البحر”، وفي عام 844هـ / 1440م، سقطت هذه القنطرة وتسبب انهيارها في مصرع عددا ممكن كان عليها، ومنذ دخول العثمانيين إلى مصر عرفت القنطرة باسم “الليمون”.

أما تسمية باب الحديد فترجع إلى “باب الحديد” وهو أحد أبواب سور صلاح الدين الأيوبي الذي لم يكتمل، وموقعه كان على وجه التحديد عند مدخل شارع كلوت بك حاليا، ويتضح من رسم له قبيل هدمه أنه كان كثير الشبه ببوابة الفتوح.

وقد هدم باب الحديد ومعظم سور صلاح الدين الأيوبي في سنة 1847م بأمر والي مصر محمد علي باشا. ولم يبق من سوره حاليا إلا جزء من الجانب الشمالي له يقع حاليا إلى الجنوب من شارع الفجالة ومختفيا بين البيوت.

وقد نشأ ميدان باب الحديد (أو ميدان رمسيس حاليا) في الفضاء الواسع المقابل لباب الحديد. وهذا هو سر اتساعه منذ بدايته، فلم يحتج وجوده إلى هدم مباني كما حدث مع إنشاء ميدان العتبة.

السكة الحديد

يقول فتحي حافظ الحديدي في كتابه (دراسات في التطور العمراني لمدينة القاهرة)، إن مصر كانت ثالث دولة في العالم يسير فيها القطار بعد إنجلترا والهند، بعدما أنشئ خط السكة الحديد بين القاهرة والإسكندرية عام 1856م.

ولما حفرت ترعة الإسماعيلية في سنة 1865م وكانت تمر عبر هذا الميدان غرب الخليج الناصري، أقيم عليها كوبري مصنوع من الخشب كي يعبره المسافرون من وإلى محطة مصر، وقد سمي هذا الكوبري بنفس الاسم القنطرة التاريخية القديمة، وفي سنة 1891م، استبدل هذا الكوبري الخشبي بآخر من الحديد، وقد استمر كوبري الليمون هذا حتى عاصر مرور الترام فوقه في سنة 1903 إلى شارع شبرا حيث كان أيضا ينقل المسافرين من وإلى محطة مصر. وقد انتهى أمر هذا الكوبري في يونيه سنة 1911 حين ردم هذا الجزء من ترعة الإسماعيلية. ومكان هذا الكوبري اليوم في وسط الجزء الجنوبي من ميدان رمسيس الحالي.

وقد أنشئ في غرب هذا الميدان مبنى لمحطة السكة الحديد والذي احترق في وقت لاحق، قبل أن يهدم بشكل كامل، ليبنى بدلا منه مبنى المحطة الحالي في 5 مايو 1894، بعدما أصبحت المحطة تستوعب حركة القطارات إلى كلا الوجهين البحري والقبلي معا.

وبإنشاء محطة مصر آنذاك، اكتسب هذا الميدان أهمية قصوى، فأصبح هو المدخل إلى العاصمة سواء للوافدين إليها من مختلف أنحاء القطر المصري أو للوافدين إليها من الخارج عن طريق ميناء الإسكندرية.

وبسبب وجود محطات القطارات في هذا الميدان فقد جعلته لا يعرف النوم ليلا. ولذلك فقد كان أول ما أضئ إضاءة حديثة بالغاز في مدينة القاهرة هو محطة سكة حديد باب الحديد وميدانها، وكان ذلك في أبريل سنة 1867م.

تماثيل ومسارح

ومن المعالم الشهيرة التي كانت موجودة بالميدان، مسجد أولاد عنان، الذي هدم سنة 1970م هو والمنازل المجاورة له بالإضافة إلى فندق نوبار، وبني مكانهم مسجد الفتح الذي أصبح يطل على ميدان رمسيس حاليا، وله أطول مئذنة في جميع مساجد مصر.

كما كان يوجد بالجانب الشرقي من الميدان، كازينو ومسرح البسفور، الذي تأسس عام 1912، وكان يغني فيه الموسيقار محمد عبدالوهاب وكوكب الشرق أم كلثوم وغيرهم، وفي سنة 1932 هدم وأعيد بناؤه من جديد، وفي سنة 1939 تحول إلى سينما النيل، وكانت سينما شعبية شهيرة، إلا أنها هدمت كذلك في عام 1963 وبني مكانها محطة الكهرباء الموجودة إلى الآن.

وكذا مبنى البوليس الحربي البريطاني الذي كان في الجانب الجنوبي من الميدان، والذي بني عام 1913، وبعدما أجليت القوات البريطانية عن مصر، هدم هذا المبنى في أغسطس 1954، وبني مكانه عمارة ضخمة قائمة إلى الآن، تحمل رقم (6 ميدان رمسيس)، وتتكون من 18 طابقا، وهي ملك لشركة مصر للتأمين، وبأعلاها فندق إفرست الشهير.

أما قصة الميدان مع التماثيل، فقد بدأت في عام 1928، عندما أقيم بوسط الميدان تمثال “نهضة مصر” للفنان محمود مختار، فسمي الميدان لفترة باسم “نهضة مصر” رسميا، إلا أن الأسماء السابقة للميدان ظلت متداولة على ألسنة الناس.

وفي سنة 1955، تم نقل تمثال الملك رمسيس الثاني، الذي كان ملقى ومحطما في بلدة ميت رهينة بمركز البدرشين، إلى الميدان بجوار تمثال نهضة مصر، الذي نقل هو الآخر لاحقا من الميدان إلى مواجهة كوبري جامعة القاهرة بالجيزة، وفي 2006، نقل تمثار رمسيس الثاني من الميدان إلى المتحف المصري الكبير بجوار أهرامات الجيزة.

وحاليا يضم ميدان رمسيس خمس طبقات يستخدمها زوار الميدان في الحركة والتنقل، تبدأ بميدان رمسيس نفسه، ثم كوبري المشاة المار من فوقه، ثم كوبري السادس من أكتوبر، وفي باطن الأرض يوجد طبقتان فوق بعضهما من الأنفاق السفلية، محطة الشهداء لمحور شبرا، ومحطة الشهداء لمحور المرج وحلوان، وهو تطور لم يكن متخيلا في الماضي الهادئ للميدان، الذي تحول مع مرور الوقت، إلى أكثر مكان مزدحم في مصر بأكملها، لأهميته القصوى التي ربما لا ينافسه فيها أي مكان آخر.