يعد السلطان الأشر أبو النصر طومان باي، هو آخر سلاطين المماليك الجراكسة في مصر، حيث بوفاته انتهت دولة المماليك على يد العثمانيين بعدما استمرت قرابة 267 سنة، من عام 1250م إلى عام 1517.

وتمتع طومان باي بمكانة خاصة في نفوس المصريين بالرغم من أن فترة حكمه لم تزد على ثلاثة أشهر و14 يوما فقط! حتى أن المصريين انضموا لصفوف جنوده في مواجهة العثمانيين عند دخولهم للقاهرة وظلوا يحاربون إلى جانبه حتى يأسوا وأينقوا بالهزيمة.

104 أيام في الحكم

كان طومان باي يمت بصلة قرابة إلى السلطان قانصوة الغوري، وظل يترقى في المناصب حتى توفي ابن السلطان، فبدأ قانصوة الغوري يتعامل مع طومان باي كخليفة له، وعندما اقتربت جيوش العثمانيين وباتت تهدد حكم المماليك في مصر والشام عام 1517، قرر السلطان الغوري الخروج بنفسه على رأس الجيوش لملاقاة سليم الأول في الشام، واختار طومان باي ليكون “نائب الغيبة” في مصر إلى أن يرجع إلى القاهرة.

وعندما انهزم الغوري وقتل تحت سنابك الخيل في موقعة مرج دابق، وقع اختيار الأمراء على طومان باي ليتولى السلطنة فامتنع في البداية ولم يوافق إلا بعدما اشترط على الأمراء وحلفهم على المصحف ألا يغدرون به ولا يثيرون فتنا وأن ينتهوا عن مظالم المسلمين قاطبة.

** اقرأ أيضا: قصة شغب واحتجاجات المصريين ضد “الجارية” التي حكمت مصر

وبعد عدة محاولات سعى فيها طومان باي لحماية القاهرة في مواجهة الجنود العثمانيين، ومنعهم من دخولها، هزم في النهاية وتخلى عنه الجميع، فهرب وترك القاهرة، ويقول ابن إياس في كتابه “بدائع الزهور في وقائع الدهور” أن جنود سليم الأول أمعنوا في قتل المصريين في الشوارع كما تعمدوا إحراق مسجد شيخون والمنازل المحيطة به باعتباره رمزا لمقاومة طومان باي حيث كان يجتمع فيه مع جنوده وقواده، وانتشرت الجثث في شوارع القاهرة من مصريين ومن أتراك وجنود وأمراء كانوا موالين لطومان باي ويقول ابن إياس “ولم تقاس أهل مصر شدة مثل هذه قط”.

رغم استباب الأمر لسليم الأول، إلا أن عنفه المفرط هو وجنوده مع المصريين وحالات الاضطرابات التي استمرت عدة أيام، دفعت لانتشار الشائعات حول عودة طومان باي، كان الناس يأملون أن يعود وينقذهم من هذا الجحيم، فحينا يقال أنه في الإسكندرية وحينا يقال أنه جمع جيشا في الصعيد، إلى أن ظهر طومان باي بالفعل مع مجموعة من الجنود في الجيزة، فتوجه إليه سليم الأول بجيوشه واستطاع هزيمته للمرة الأخيرة.

خيانة صديق قديم

عندما هزم طومان باي بالجيزة، فر وقرر التوجه إلى حسن بن مرعي، أحد شيوخ البحيرة، وكان بينهما صداقة قديمة، فاستقبل مرعي طومان باي ودعاه للإقامة عنده، فاشترط طومان باي أن يحلف مرعي ألا يخونه ولا يغدر به، فحلف مرعي على المصحف “سبع أيمان”، فاطمأن طومان باي ونزل عنده، إلا أنه مرعي خانه فورا، فما أن نزل طومان باي بخيام مرعي حتى أحاطت به العربان من كل جانب، وأرسل حسن بن مرعي إلى سليم الأول يخبره بأنه قبض على طومان باي، فأرسل سليم عساكره وقبضوا على طومان باي ووضعوه في الحديد وتوجهوا به إلى سليم الأول الذي كان لايزال في الجيزة.

وبعدما قابل سليم الأول، اقتاد الجنود طومان باي إلى خيمة في إمبابة وأقام بها والجنود تحيط بها من كل جانب مشهرة السلاح، وظل بتلك الخيمة 17 يوما، وأشيع أن سليم الأول سيقوم بنفي طومان باي إلى مكة ولن يقتله، إلا أن ذلك لم يحدث.

** اقرأ أيضا: قصة سلطان مصر الذي قتل غريقا جريحا محترقا!

ولما سمع سليم الأول أن الناس لا تصدق أنه قبض على طومان باي، قرر إرساله إلى القاهرة وإعدامه علنا، فسار به الجنود من بولاق إلى المقس -ميدان رمسيس حاليا- ويحيط به 400 جندي عثماني غير الرماة ثم توجه إلى القاهرة، فكان يلقي السلام على المصريين طوال الطريق وهو مقيد بالحديد، والمصريون يلوحون له ويبكون، حتى وصلوا به إلى باب زويلة وهو لا يدري ما سوف يفعل به.

الكلمات الأخيرة

وهنا يقول ابن إياس: “فلما تحقق أنه يشنق وقف على أقدامه على باب زويلة، وقال للناس الذين حوله: اقروا لي سورة الفاتحة ثلاث مرات. فبسط يده وقرأ سورة الفاتحة ثلاث مرات وقرأت الناس معه، ثم قال للمشاعلي -عشماوي-: اعمل شغلك. فلما وضعوا الخية في رقبته ورفعوا الحبل انقطع به فسقط على عتبة باب زويلة، وقيل انقطع به الحبل مرتين وهو يقع إلى الأرض، ثم شنقوه وهو مكشوف الرأس”.

ويضيف: “فلما شنق وطلعت روحه؛ صرخت عليه الناس صرخة عظيمة وكثر عليه الحزن والأسف… وأقام ثلاثة أيام وهو معلق على الباب حتى جافت رائحته، وفي اليوم الثالث أنزلوه وأحضروا له تابوتا ووضعوه فيه، وتوجهوا به إلى مدرسة السلطان الغوري عمه، فغسلوه وكفنوه وصلوا عليه هناك، ودفنوه في الحوش الذي خلف المدرسة، ومضت أخباره كأنه لم يكن”.

** اقرأ أيضا: زلزال عام 702هـ.. أخطر كارثة طبيعية ضربت مصر في عصر المماليك

ويقول ابن إياس عن فترة حكم طومان باي: “فإنه كان شابا حسن الشكل سنه نحو 44 سنة، وكان شجاعا بطلا تصدى لقتال العثمانيين وثبت وقت الحرب وحده بنفسه، وفتك في عسكر ابن عثمان وقتل منهم ما لا يحصى، وكسرهم ثلاث مرات في نفر قليل من عسكره، ووقع منه في الحرب أمور ما لا تقع من الأبطال. وكان لما سافر عمه السلطان الغوري جعله نائب الغيبة عنه إلى أن يحضر من حلب، فساس الناس في غيبة السلطان أحسن سياسة، وكانت الناس عنه راضية في مدة غيبة السلطان، وكانت القاهرة في تلك الأيام في غاية الأمن من المناسر والحريق وغير ذلك… وكان ملكا حليما قليل الأذى كثير الخير، وكانت مدة سلطنته بالديار المصرية ثلاثة أشهر وأربعة عشر يوما”.

وعن واقعة إعدامه يختتم ابن إياس بقوله “ولم يسمع بمثل هذه الواقعة فيما تقدم من الزمان أن سلطان مصر شنق على باب زويلة قط، ولا علقت رأس سلطان على باب زويلة قط، ولم يعهد بمثل هذه الواقعة في الزمن القديم”.