تعد شخصية القائد صلاح الدين الأيوبي، واحدة من أكثر الشخصيات التاريخية التي تم تجسيدها في العديد من الأعمال الفنية سواء العربية أو الأجنبية، وذلك لارتباط تاريخه الوثيق بالحروب الصليبية.

وظهرت شخصية صلاح الدين، سواء قديما في اللوحات الفنية، أو حديثا في أعمال سينمائية وتلفزيونية بأشكال مختلفة وملامح مغايرة فيها تباين كبير بين كل عمل وآخر، ويبدو أن هذا الاختلاف الكبير في تصوراتنا للشكل الحقيقي لصلاح الدين، راجع إلى أن من أرخوا له وكتبوا عنه سواء في حياته أو بعد مماته، لم يهتموا بالحديث عن مظهره وشكله بشيء من التفصيل، قدر اهتمامهم بالحديث عن أخلاقه وفضائله ومواقفه.

وفي محاولة للوقوف على شكله بدقة، بحثنا عن أقدم لوحة فنية تكون قد رسمت لصلاح الدين، ولكن المشكلة أن أغلب تلك اللوحات كانت لفنانيين غربيين رسموها بعد وفاة صلاح الدين بسنوات طويلة، إلا أن عملية البحث قادتنا إلى لوحة صغيرة “منمنمة” يعتقد أنها رسمت في حياة صلاح الدين -توفي عام 589هـ (1193م)- وعلى يد عالم مسلم هو العالم والمخترع إسماعيل الجزري.

لوحة ترمز لصلاح الدين من كتاب “في معرفة الحيل الهندسية” لإسماعيل الجزري

اللوحة توجد حاليا في المعرض الحر للفنون بالولايات المتحدة “Freer Gallery of Art” التابع لمؤسسة “سيمثسونيان” الأمريكية، الذي حصل عليها منذ عام 1932، واللوحة عبارة عن منمنمة جاءت ضمن صفحات كتاب “في معرفة الحيل الهندسية” الذي كتبه ورسمه الجزري لعدد من اختراعاته، وكانت اللوحة تجسد شخصا جالسا أسفل ساعة مائية من اختراع الجزري.

وكانت اللوحة قد ظهرت لأول مرة في كتاب “المنمنمات والرسامون في بلاد فارس والهند وتركيا” للمستشرق السويدي فردريك روبرت مارتن، الذي كان يمتلك بعضا من صفحات متفرقة مأخوذة من مخطوط “في معرفة الحيل الهندسية” للجزري، استعان بها في كتابه مشيرا إلى أن المخطوط كتب قبل عام 1185م.

لوحة ترمز لصلاح الدين من كتاب “في معرفة الحيل الهندسية” لإسماعيل الجزري

ويعد روبرت مارتن هو أول من أشار إلى أن الشخص الظاهر في هذه اللوحة الصغيرة قد يكون هو صلاح الدين الأيوبي، إلا أن المتأمل في تاريخ اللوحة، سيجد أن ترجيح روبرت مارتن قد يكون في محله بنسبة كبيرة.

حيث اعتاد إسماعيل الجزري، أن يضع رسومات ترمز لصلاح الدين في كتبه المرتبطة باختراعاته، ففي رسمة “ساعة الفيل” الشهيرة الواردة بكتابه “الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل” نجده قد رسم شخصا جالسا أعلى الساعة مشيرا إلى أنه السلطان، حيث يرى الكثيرون أنه كان يرمز إلى صلاح الدين، كما ظهرت صورة أخرى يرمز من خلالها لصلاح الدين في رسمة لساعة مائية في الكتاب السابق ذاته وحوله يعزف الموسيقيون، ورسمة ثالثة يظهر صلاح الدين جالسا فوق أحد اختراعاته.

رسمة ساعة الفيل من كتاب “الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل” لإسماعيل الجزري

ويرجع ذلك إلى أن الجزري كان يخدم في بلاط ملوك “ديار بكر” -شمال سوريا وجنوب تركيا حاليا- التابعين للدولة الأرتقية، وكانت الدولة الأرتقية قد خضعت لصلاح الدين وباتت من بين المناطق التابعة له، فمن المنطقي أن نجده يمجد صلاح الدين برسمه في كتبه بهذا الشكل.

ولا يعرف على وجه الدقة إن كان الجزري قد رأى صلاح الدين فعلا أم أن ما رسمه مجرد رسومات لملامح متخيلة، إلا أنه يمكن ملاحظة التشابه الكبير بين ملامح الشخصية الذاتة التي ظهرت في كل هذه الرسومات ما يرجح أنها لشخص واحد وأن راسمها اعتمد على ملامح محددة كان يرسمها في كل مرة.

ساعة مائية يجلس تحتها صلاح الدين من كتاب “الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل” للجزري

وسواء كانت هذه الرسمة مأخوذة من مخطوط أصلي بخط الجزري نفسه، أو من مخطوط مستنسخ كتب بعدها بسنوات كما يعتقد البعض، فإن ذلك لا يؤثر في نسبة تلك الرسمة لصلاح الدين، حيث كان النساخون عندما ينتجون نسخا جديدا من مخطوط ما كانوا ينقلون معه كل شيء بدقة كبيرة خاصة الرسومات، والدليل على ذلك هو انتشار رسمة شبيهة لها مأخوذة من مخطوط لا نعرف تاريخه بدقة مع اختلاف بسيط في درجات الألوان وبعض النقوش.

نسخة غير محددة التاريخ نقلا عن مخطوط مجهول لكتاب “في معرفة الحيل الهندسية” للجزري
صورة ترمز لصلاح الدين جالسا فوق أحد اختراعات الجزري من كتاب “الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل”