كثير منا يعرف قصة الطالب الأزهري سليمان الحلبي، الذي سدد خنجره إلى صدر الجنرال جان باتيست كليبر الذي تولى قيادة الحملة الفرنسية على مصر بعد مغادرة نابليون وأرداه قتيلا في الحال عام 1800، والنهاية المأساوية التي انتهى إليها الحلبي بمعاقبته بالقتل.

ولكن ما قد لا يعرفه البعض، أن قصة سليمان الحلبي ومأساته لم تنته بوفاته، بل هي مأساة لازالت باقية حتى الآن، حيث لايزال جسده مفصولا عن رأسه التي تعرض حاليا بأحد متاحف باريس، وتحتها لافتة كتب عليها كلمة “مجرم”.

وفي السطور التالية، سنتتبع رحلة جثمان الحلبي وما آل إليه وأين يوجد بالتحديد حاليا وحقيقة الصور المنتشرة على أنها صور جمجمته، والمطالب الشعبية التي انطلقت لإعادته ودفنه في مسقط رأسه بسوريا.

لوحة للفنان الفرنسي أنطوين جين جروس، تصور مشهد اغتيال كليبر على يد الحلبي، محفوظة بمتحف ستراسبورج التاريخي - قبل عام 1835
لوحة للفنان الفرنسي أنطوين جين جروس، تصور مشهد اغتيال كليبر على يد الحلبي، محفوظة بمتحف ستراسبورج التاريخي – قبل عام 1835

يوم الاغتيال

كان الطالب الأزهري سليمان الحلبي، يعتزم قتل كليبر بأي طريقة كانت، انتقاما مما قامت به الحملة الفرنسية على مصر وهزيمتها للجيش العثماني، لذا توجه في صباح يوم 14 يونيو 1800 وظل يتتبع الجنرال الفرنسي من مكان إلى آخر داخل القاهرة، إلى أن وصل كليبر برفقة المهندس المعماري “بروتان” إلى مقر قيادة الحملة وكان حينها في منزل الألفي بك بالأزبكية.

تنكر الحلبي في ذي شحاذ ودخل حديقة المنزل متظاهرا بأنه يستجدي كليبر، فأشار له الجنرال بيده مردد كلمة “مافيش” بالعامية المصرية، فباغته الحلبي بطعنة في قلبه قتلته في الحال، وعندما حاول بروتان الدفاع عن كليبر انهال عليه الحلبي بالطعنات، ثم عاد لكليبر مرة أخرى وسدد إليه المزيد من الطعنات ليتأكد من أنه فارق الحياة.

بالرغم من محاولة الحلبي الفرار، إلا أن جنود الحملة الفرنسية أمسكوا به مختبئا في أحد المنازل القريبة، وقدم للمحاكمة يومي 15 و16 يونيو، وبالإضافة للحلبي، قامت المحكمة التي كان يترأسها القاضي الفرنسي سارتلون، بتوجيه الاتهامات إلى أربعة من زملاء الحلبي قيل إنه فاتحهم في أمر عملية الاغتيال وأنهم تكتموا على الأمر ولم يبلغوا قادة الحملة.

تحت هذة الشجرة قام سليمان الحلبي باغتيال كليبر سنة 1800، وقتها كان قصر محمد بك الألفي الذي استولت عليه الحملة الفرنسية، ثم تحول إلى مدرسة للألسن في عهد محمد علي، ثم أصبح فندق شبرد القديم حتى احترق في عام 1952 في حريق القاهرة
تحت هذة الشجرة قام سليمان الحلبي باغتيال كليبر سنة 1800، وقتها كان قصر محمد بك الألفي الذي استولت عليه الحملة الفرنسية، ثم تحول إلى مدرسة للألسن في عهد محمد علي، ثم أصبح فندق شبرد القديم حتى احترق في عام 1952 في حريق القاهرة

تنفيذ العقوبة

قضت المحاكمة بإعدام زملاء الحلبي أمام عينيه وإحراق جثثهم، أما الحلبي فقد حكم عليه بإحراق يده اليمنى التي قتل بها كليبر وإعدامه بالخازوق.

ويقول المؤرخ صلاح عيسى في كتابه “صفحات من دفتر الوطن”، أن الجنود أحضروا نعش كليبر إلى منطقة تل العقارب بالسيدة زينب التي سينفذ فيها الحكم على الحلبي وزملائه، ليشهد النعش تنفيذ العقاب، حيث توجه “راتليمي” محافظ القاهرة اليوناني، وأطاح بسيفه برؤوس زملاء الحلبي الثلاثة محمد وعبد الله الغزي وأحمد الوالي، أما الرابع سعيد عبدالقادر الغزي فقد تمكن من الفرار، وكانوا جميعهم من غزة.

بعدها تسلم بعض معاوني بارتليمي الرؤوس التي تخضبها الدماء ورفعوها فوق عصي طويلة وغرسوها في أرض التل، ثم وضعت جثثهم فوق كومة ضخمة من الحطب والأخشاب وأشعلوا فيها النيران.

ثم توجه “بارتليمي” إلى الحلبي ووضع كفه في مجمرة من الفحم لإحراقها، وكان من المدهش أن سليمان لم يشك ولم يتكلم والنار تأكل لحمه الحي، ثم بدأت عملية الخوزقة، حيث أحضر بارتليمي قضيبا مدببا من الحديد، ثم بدأ في إدخاله في شرج سليمان الحلبي بالدق بمطرقة خفيفة، حتى لا يحدث نزيفا يؤدي إلى موته قبل أن يتعذب بما يكفي، ثم رفع الخازوق قائما وعليه سليمان، ثم غرس في الأرض.

ويقول المؤرخ هنري لورسن في كتابه “الحملة الفرنسية على مصر وسوريا”، إن سليمان ظل على هذا الوضع دون أن يصرخ، حيث كان يردد الشهادتين وبعض آيات من القرآن، وبعد أربع ساعات ونصف كان من تجمعوا لمشاهدة الإعدام غادروا المكان، فقام أحد الجنود الفرنسيين بإعطاء الحلبي شربة ماء وهو في النزع الأخير، فلفظ أنفاسه في الحال.

لوحة متخيلة لسليمان الحلبي من كتاب "التاريخ العلمي والعسكري للبعثة الفرنسية لمصر" لأندريه دوتير 1836، ويظهر فيها الحلبية رابطا يده اليسرى
لوحة متخيلة لسليمان الحلبي من كتاب “التاريخ العلمي والعسكري للبعثة الفرنسية لمصر” لأندريه دوتير 1836، ويظهر فيها الحلبي رابطا يده اليسرى

مصير الجثمان

تشير أغلب المصادر إلى أن جثمان الحلبي دفن في مصر بعد قطع الرأس، حيث حصل على الجمجمة الطبيب الفرنسي لاريه، وكان من أعضاء المجمع العلمي، وضمها إلى مجموعته الخاصة التي كان يستخدمها لتعليم طلاب الطب التشريح، وظلت الرأس بحوزة لاريه، إلى أن قررت الحملة الفرنسية مغادرة مصر، حينها قام الجنرال فرانسوا مينو الذي تولى قيادة الحملة بعد كليبر، استخراج جثماني كل من كليبر وسليمان الحلبي واصطحابهما إلى فرنسا.

وغادر لاريه مع الحملة ومعه رأس سليمان الحلبي، حيث واصل عرضها على الطلاب لعدة سنوات، وفي النهاية تم تقديم الرأس إلى متحف الإنسان بقصر “شايوه” في باريس، فيما ظل مصير ومكان الجثمان مجهولا لفترة طويلة.
دعوات إعادة الرأس

في عام 1950 كتب المؤرخ السوري الدكتور شاكر مصطفى في كتابه “بيني وبينك” أنه توجه لزيارة متحف الإنسان في باريس، وأثناء مشاهدته لجمجمة الفيلسوف الفرنسي “ديكارت” المعروضة بالمتحف، فوجئ على الجانب المقابل لها بجمجمة أخرى كتب عليها: سليمان الحلبي.. مجرم.

وطالب شكري حينها بضرورة تنظيم حملة شعبية ورسمية لإعادة الجمجمة والجثمان ودفنهما في مسقط رأس الحلبي بسوريا، إلا أن أحدا لم يلتفت إلى هذا النداء.

جمجمة الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت كما تظهر بمتحف الإنسان بباريس، حيث يقول الدكتور مصطفى شاكر إن جمجمة سليمان الحلبي موجودة بالقرب منها
جمجمة الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت كما تظهر بمتحف الإنسان بباريس، حيث يقول الدكتور مصطفى شاكر إن جمجمة سليمان الحلبي موجودة بالقرب منها

وبعدها بسنوات طويلة، في عام 2006، خرج الصحفي السوري هاني الخير، ونظم حملة شعبية كبيرة للمطالبة بمنع عرض جمجمة سليمان الحلبي في متاحف باريس وإعادتها هي والجثمان إلى سوريا، كاشفا أن الجثمان معروض في متحف حديقة النباتات بباريس، بينما الجمجمة بمتحف الإنسان بقصر شايوه.

واستطاع هاني الخير خلال الحملة جمع توقيعات عديدة لمثقفين وفنانيين وصحفيين وغيرهم على عريضة وجهها إلى رئيس الجمهورية الفرنسية آنذاك جاك شيراك، وتم تسليم العريضة إلى السفير الفرنسي بدمشق، إلا أن الحملة لم تنته إلى شيء ولم يعرف رد الحكومة الفرنسية على هذا الطلب.

وفي يوليو 2011، عقب ثورة يناير في مصر، نظم عدد من المتظاهرين في ميدان التحرير بالقاهرة حملة لجمع مليون توقيع للمطالبة باسترداد رفات وجمجمة سليمان الحلبي من فرنسا، وقال منسق الحملة حينها الدكتور محمد عبدالوهاب، إنه سيتم إرسال التوقيعات إلى الحكومة الفرنسية، ولكن سرعان ما انتهت الحملة إلى لا شيء في خضم الأحداث التي شهدتها القاهرة لاحقا.

لافتة رفعها المتظاهرون في ميدان التحرير عام 2011 للمطالبة بإعادة جثمان سليمان الحلبي
لافتة رفعها المتظاهرون في ميدان التحرير عام 2011 للمطالبة بإعادة جثمان سليمان الحلبي

متحف الإنسان بباريس

يعد متحف الإنسان بباريس الذي يضم جمجمة الحلبي، واحدا من سبعة أقسام تتبع المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي في باريس، ويشغل المتحف حاليا قصر شايوه.

ويضم أكثر من 1000 هيكل عظمي، بالإضافة إلى 18 ألف جمجمة، بعضها ترجع لأشخاص مشهورين مثل ديكارت وسان سيمون وغيرهم، ويتم تصنيفها غالبا بحسب أمراض العظام أو الأعراق أو الحقب التاريخية، كما أن بعضها جماجم منقوشة ومغطاة بالجواهر.

ويضم المتحف أيضا 31 جمجمة تعود لرجال المقاومة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي، وهي الجماجم التي تم التعرف عليها من قبل مسؤولين جزائريين كلفوا بهذه المهمة تمهيدا لإعادتها إلى بلادهم ودفنها وتكريمها.

جماجم بعض من رجال المقاومة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي والتي تحتفظ بها فرنسا في متحف الإنسان بباريس
جماجم بعض من رجال المقاومة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي والتي تحتفظ بها فرنسا في متحف الإنسان بباريس

في عام 2009، تم إغلاق المتحف لإخضاعه للترميم، كما تم نقل جزء من معروضاته إلى متحف برانلي.

وبالرغم من أن جمجمة ديكارت التي قال الدكتور شاكر مصطفى أنها توجد في مقابلة جمجمة الحلبي، إلا أنه لا يعرف على وجه الدقة حتى الآن ما إذا كانت إدارة المتحف لازالت تعرض جمجمة الحلبي من عدمه، أو ما إذا تم نقلها من قصر شايوه إلى متحف برانلي.

فيما تنتنشر على مواقع التواصل الاجتماعي صور العديد من الجماجم التي يردد البعض أنها صورة جمجمة سليمان الحلبي الموجودة بالمتحف، إلا أنها جميعها صور مغلوطة ولا تمت للحلبي بصلة، حيث يبدو أن إدارة المتحف تمنع تصويرها بشكل بشدة، ومن أكثر الصور المنتشرة في هذا الشأن الصورة التالية، وهي صورة معروضة بالفعل في متحف الإنسان بباريس ولكنها معروضة ضمن جماجم عصور ما قبل التاريخ.

وأغلب الظن أن جمجمة الحلبي لازالت معروضة في متحف الإنسان بباريس تحدق في الفراغ، منتظرة من يأتي وينقذها ويعيدها إلى جثمانها لتدفن بالشكل اللائق.

أسفل يمين الصورة، الجمجمة التي تنتشر صورتها على الإنترنت بدعوى أنها ترجع إلى سليمان الحلبي، وهي معلومة غير صحيحة حيث تعرض الجمجمة بالفعل في متحف الإنسان بباريس كما في يظهر في الخلفية ولكنها ضمن مجموعة جماجم عصور ما قبل التاريخ
أسفل يمين الصورة، الجمجمة التي تنتشر صورتها على الإنترنت بدعوى أنها ترجع إلى سليمان الحلبي، وهي معلومة غير صحيحة حيث تعرض الجمجمة بالفعل في متحف الإنسان بباريس كما في يظهر في الخلفية ولكنها ضمن مجموعة جماجم عصور ما قبل التاريخ