Tajawal


بالرغم من أن تاريخ السعودية الحديث شهد حالات إعدام لأمراء من داخل العائلة المالكة، إلا أن قصة إعدام الأميرة مشاعل بنت فهد، تظل هي الأكثر إثارة للجدل وتفتح الباب لعشرات الأسئلة التي قد تكون إجاباتها دفنت إلى الأبد مع جثمان الأميرة التي لم يتجاوز عمرها الـ19 عندما أطلق على رأسها الرصاص داخل أحد مواقف السيارات في جدة عام 1977.

ومما عمق حالة الجدل حول حقيقة ما حدث للأميرة الصغيرة، هو وجود روايتين مشهورتين لتفاصيل ما ارتكبته الأميرة وكان سببا في وفاتها ولملابسات محاكمتها وتنفيذ عملية الإعدام، الرواية الأولى هي الرواية شبه الرسمية التي كانت ترددها شخصيات رسمية سعودية ردا على وسائل الإعلام العالمية عقب تسرب أنباء إعدام الأميرة، والرواية الثانية هي التي عرضها فيلم وثائقي بريطاني أنتج عقب إعدام الأميرة بثلاثة أعوام لكشف ملابسات الإعدام وأسبابه.

بداية اكتشاف القصة

في ظهيرة أحد أيام شهر يوليو عام 1977 تجمهر جمع من الناس في ساحة رملية لوقوف السيارات أمام بناية “الملكة” في مدينة جدة، للشهود على تنفيذ القتل بحق شخصين مجهولين، امرأة منقبة لم يكشف عن وجهها وشاب في أوائل العشرينيات من العمر، حيث أعلن أنهما ارتكبا جريمة الزنا ووجب بحقهما القتل تعزيرا.

وصادف أنه كان من بين ذلك الجمع صحفي بريطاني يعمل مراسلا لإحدى الصحف الإنجليزية، فسارع بإخراج كاميرته الصغيرة التي أخفاها داخل علبة سجائر، وبدأ في تصوير المشهد، ليتقط صورا لجثمان المرأة بعد إطلاق الرصاص على رأسها، وصورا أخرى لعملية قطع رأس الشاب، وخلال أيام قليلة كانت تلك الصور مثار حديث العالم أجمع بعدما سربها إلى صحيفته في بريطانيا، كاشفا أن المرأة التي تم إعدامها هي أميرة من العائلة المالكة السعودية، تدعى مشاعل بنت فهد بن محمد بن عبدالعزيز آل سعود.

عقب اكتشاف الأمر، غضبت السلطات السعودية بشدة من ردود أفعال وسائل الإعلام العالمية وتعاطيها مع الحدث، ما دفع العديد من الشخصيات الرسمية للخروج وتقديم رواية توضح حقيقة ما حدث، حيث أكدوا أن من تم إعدامها بالفعل هي أميرة سعودية متزوجة، ثبت ارتكابها لجريمة الزنا وأنها أقرت ثلاث مرات بارتكاب الجريمة مما أوجب تطبيق حد القتل تعزيرا بحقها طبقا للشريعة الإسلامية هي وعشيقها.

أما على المستوى غير الرسمي، فقد انتشرت بعض التفاصيل الأخرى لملابسات علاقة الأميرة بالشاب وكيفية تعرفها عليه، وهي تفاصيل كانت تخدم نفس الرواية الرسمية، حيث قيل أن الأميرة سافرت إلى لبنان للدراسة في الجامعة، وهناك تعرفت على ابن أخ السفير السعودي في بيروت حينها، وقامت بينهما علاقة بشكل سري، استمرت حتى عودتها إلى السعودية، حيث اكتشفت أسرتها هذه العلاقة فتم تقديمها إلى المحاكمة، حيث أقرت ثلاث مرات بارتكابها لجريمة الزنا ورفضت الإنكار، مما أوجب تنفيذ الحد بحقها.

صورة حقيقية للأميرة مشاعل بنت فهد، وهي التي تظهر في المنتصف وترتدي ملابس فاتحة اللون

فيلم مثير للجدل

ظلت هذه هي الرواية المعتمدة والتي تتناقلها الصحف العالمية وترددها الشخصيات الرسمية السعودية ويتناقلها الناس في شوارع الرياض، إلى أن قرر أحد الصحفيين البريطانيين ويدعى “أنطوني توماس” ويعمل لصالح صحيفة “إندبندنت”، البحث وراء تفاصيل القصة، بعدما رفض الاقتناع بفكرة أن الأميرة اعترفت ثلاث مرات وألقت بنفسها إلى الموت هي وعشيقها.

بدأ توماس رحلته الطويلة في عدة دول لتقصي حقيقة الواقعة، حيث قابل عشرات الشخصيات في لندن وبيروت والرياض وجدة، ليكتشف في النهاية قصة مغايرة تماما، وتفاصيل مثيرة، قرر عرضها في فيلم وثائقي أنتجته شركة “أسوشيتيد تيليفجن” بالتعاون مع شركة (WGBH-TV).

الصحفي البريطاني أنطوني توماس

رواية مختلفة وصادمة

يقول الصحفي أنطونيو توماس في فيلمه، إن الأميرة مشاعل أرغمت على الزواج في سن مبكرة من أحد أبناء عمومتها، الذي سرعان ما تركها وذهب للدراسة في الولايات المتحدة، حيث كان يعيش حياة صاخبة هناك بينما هي حبيسة داخل قصر أسرتها لا متعها لها سوى النميمة والرقص مع قريباتها ومشاهدة أفلام الفيديو.

ومع تطور الأحداث، تتعرف مشاعل على شاب من خارج الأسرة، إلا أنها تعرفت عليه في جدة وباختيارها، وليس في بيروت كما قالت الرواية الرسمية، ونشأت بينهما علاقة حميمة، ولأنه كان من شبه المستحيل طلبها الطلاق من زوجها لتتمكن من الارتباط بالشاب الذي أحبته، لذا قررت أن تهرب معه، فقامت بتزييف حادث موتها غرقا في مياه البحر بجدة، وبعدما ظلت العديد من الجهات تبحث عنها وسط المياه، اكتشفوا أنها مازالت على قيد الحياة وأنها تختبئ في مكان قريب، فبدأوا البحث عنها بشكل مختلف.

كانت خطة الفتاة أن تهرب بأوراق مزورة خارج السعودية بصحبة الشاب، ولكنها وبدلا من أن تتنكر في شخصية خادمة أو حتى امرأة سعودية عادية، خانها تقديرها وقررت أن تتنكر في زي شاب سعودي! وفي المطار افتضح أمرها بسهولة، وعندما ألقي القبض عليها اكتشف رجال المطار أنها الأميرة السعودية المختفية مشاعل بنت فهد.

كانت مشاعل الحفيدة المقربة لجدها الأمير محمد بن عبدالعزيز آل سعود، الرجل الذي كان يعتبر الشخصية الأكثر نفوذا وثروة في السعودية في ذلك الوقت، بل إن كثيرين كانوا يرونه أقوى من الملك خالد بن عبدالعزيز، ملك السعودية حينها، كون الأمير محمد هو الشقيق الأكبر للملك، حيث رفض ولاية العهد وتنازل عنها لشقيقه خالد الذي أصبح ملكا، مفضلا الابتعاد عن قيود الملكية والاستمتاع بثروته وقوته ونفوذه بالشكل الذي يريده دون أي عوائق رسمية.

وعندما تم الإمساك بالأميرة في المطار وافتضح أمرها علنا، شعر الأمير محمد بن عبدالعزيز آل سعود بإهانة بالغة، وثار غضبه بشكل غير مسبوق، واعتبر أن الفتاة الصغيرة التي اعتاد على تدليلها وجهت إليه صفعة قاسية أمام الجميع، فقرر الانتقام منها دون رحمة ودون أي اعتبارات لسنها الصغيرة.

قرر الأمير محمد بحسب الفيلم إعدام الأميرة، فورا ودون أي محاكمة، فأمر حراسه بالتوجه إليها وقتلها هي والشاب، وبالرغم من أن الملك كان يرفض هذا الإجراء الذي يخالف القانون والشرع، إلا أنه لم يتمكن من فعل أي شيء مع شقيقه الأكبر الذي كان أحق بالملك منه، فاستسلم لغضبه ورغبته الجامحة، وبالفعل وفور وصول حراس الأمير محمد إلى مكان وجود الأميرة والشاب، اقتادوهما إلى ساحة انتظار سيارات، وأطلقوا عدة رصاصات على رأس الفتاة، بينما وجهوا 5 ضربات قاتلة بالسيف على رقبة الشاب.

صورة الأمير محمد بن عبدالعزيز يتوسط الملك فيصل واللواء محمد نجيب أثناء زيارته لمصر

أزمة دبلوماسية

كانت الشخصيات التي جمع منها الصحفي أنطوني توماس هذه المعلومات، ترفض الكشف عن أسمائها لعدة اعتبارات، لذا صعب عليه إجراء فيلم وثائقي تقليدي عن الواقعة، ما دفعه في النهاية إلى عمل فيلم وثائقي درامي يتضمن مشاهد تمثيلية لرحلة البحث عن قصة الأميرة وما توصل إليه الصحفي في النهاية، مع استخدام أسماء مستعارة لكل الشخصيات ودون قول اسم السعودية صراحة في الفيلم أو الإشارة إلى الاسم الحقيقي للأميرة.

وبالفعل تم تصوير الفيلم في مصر وشارك فيه عدد من الممثلين المصريين بينهم سمير صبري ومحمد توفيق وصلاح جاهين وتهاني راشد، فيما قامت بأداء دور الأميرة، ممثلة شابة كانت في بدايات مشوارها الفني، اسمها سوزان أبو طالب، والتي ستضطر لاحقا إلى تغيير اسمها إلى “سوسن بدر” بسبب الأزمة التي أثارها الفيلم.

فور عرض الفيلم في بريطانيا وأمريكا تحت عنوان “موت أميرة”، ثار غضب السعودية بشكل غير مسبوق، وقامت بطرد السفير البريطاني من أراضيها واستدعاء سفيرها لدى لندن بشكل فوري، وشنت حملة شديدة ضد الفيلم وصناعه واعتبرته إساءة متعمدة بحق المملكة، خاصة وأنه تناول الحياة الخاصة للنساء داخل الأسرة الحاكمة، كما قررت منع جميع الممثلين المصريين المشاركين في الفيلم من دخول أراضيها أو عرض أي أعمال لهم بأي صيغة كانت.

ونتيجة هذه الضغوط، اعتذر وزير الخارجية البريطاني معبرا عن أسفه الشديد لعرض فيلم يسيء إلى دولة صديقة، كما نشرت شركة “موبيل” إعلانا على صفحة كاملة في صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية شجبت فيه الفيلم واعتبرت أنه يعرض علاقات أمريكا مع السعودية للخطر، فيما قيل أن السعودية عرضت 11 مليون دولار مقابل وقف عرضه وسحبه من جميع القنوات.

سوسن بدر ومحمد توفيق في أحد مشاهد فيلم موت أميرة

ممثلة تبحث عن اسم جديد

كان فيلم “موت أميرة” هو رابع أفلام سوسن بدر التي كانت تتلمس خطواتها الأولى في عالم السينما، حيث ظهرت قبله في ثلاثة أفلام هي “السايس”، “آسفة أرفض الطلاق”، “حبيبي دائما” الذي لعبت فيه دور ثانوي، وكان اسمها الفني حتى ذلك الوقت “سوزان أبو طالب”، مع العلم أنها شهرتها كانت محدودة للغاية ولم يكن اسمها يظهر على تترات الأفلام حينها.

عندما جاء مخرج الفيلم إلى مصر، أجرى اختبارا لعدد من الممثلات الشابات من بينهن سوسن بدر، الذي وقع اختياره عليها بسبب ملامحها العربية وبشرتها السمراء، كما أن سنها كانت قريبة للغاية من سن الأميرة عند وفاتها، أما بالنسبة لسوسن بدر فقد كان الفيلم بالنسبة إليها فرصة عظيمة في بداية مشوارها الفني خاصة وأنه إنتاج بريطاني ودورها هو الدور الرئيسي في العمل الذي تدور حوله الأحداث، فلعبته وهي معتقدة أنه سيفتح لها أبواب النجومية.

إلا أن رد الفعل السعودي على الفيلم، كاد يدمر مستقبل سوسن بدر الفني، حيث رفض المنتجون إشراكها في أي عمل بعد الحظر الذي فرضته المملكة على أعمالها، وكان وجود اسمها كفيل بمنع أي عمل فني من التوزيع في دول الخليج، فاقترح عليها المخرج الراحل شادي عبدالسلام أن تغير اسمها من “سوزان أبو طالب” إلى “سوسن بدر”، حيث كان من المفترض أن تؤدي دور نفرتيتي في فيلم “إخناتون” الذي كان يستعد عبدالسلام لإخراجه إلا أنه توفي قبل البدء في التصوير، وبالرغم من ذلك لم تتمكن من المشاركة في أي أعمال فنية طوال السنوات الأربع التالية سوى في الفيلم التلفزيوني “رجل اسمه عباس”، قبل يصفح عنها المنتجون بعدما نسي الجميع قصة فيلم “موت أميرة” وصاحبته، ونسوا أيضا اسم “سوزان أبو طالب”.