Tajawal


يجد الكثيرون في قصة نقل مومياء رمسيس الثاني إلى باريس في منتصف سبعينيات القرن الماضي، واقعة طريفة تستحق السرد، خاصة وأن الفرنسيين استقبلوا المومياء استقبال الملوك بعدما استخرجت لها السلطات المصرية جواز سفر رسمي بصفة “ملك سابق”، وهو ما كان سببا في انتشار هذه المعلومات المقتضبة على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل كبير.

إلا أن من يتداولون هذه المعلومة، يكتفون بسرد مشهد الاستقبال، دون أن يعلموا أن القصة مليئة بالتفاصيل المدهشة والمتشابكة لأقصى درجة، تفاصيل امتزجت فيها السياسة بالدين بالتاريخ بالجريمة، تفاصيل أقل عناصرها إدهاشا هي مسألة استخراج جواز سفر لمومياء.

إن كنت على استعداد لمعرفة حقيقة القصة وأسرارها، خذ نفسا عميقا.. وواصل القراءة!

مومياء متنقلة

دفن رمسيس الثاني عقب وفاته في واد الملوك بالأٌقصر، في المقبرة التي تحمل حاليا رقم (KV7)، ولكن الكهنة المصريين اضطروا في سنوات لاحقه إلى نقله أكثر من مرة لعدة أماكن مختلفة لإبعاده عن أيدي اللصوص والعابثين، وفي النهاية، استقرت المومياء مع مجموعة كبيرة من مومياوات ملوك مصر القديمة في جبل الدير البحري بالأقصر لحمايتها بشكل نهائي، حتى تم اكتشاف خبيئة الدير البحري في عام 1881.

وفي عام 1902، افتتح عالم المصريات جاستون ماسبيرو المتحف المصري المطل على ميدان التحرير حاليا، في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، حيث نقل الجثمان إليه، واعتقد المصريون أن مومياء رمسيس الثاني استقرت أخيرا في مكانها النهائي الذي لن تنقل منه أبدا.

مشهد تمثيلي لأول عملية فحص تجرى للمومياء على يد عالم المصريات جاستين ماسبيرو وكانت في حضور الخديوي توفيق

موريس بوكاي

تقول نيويورك تايمز، في أرشيفها الصحفي، إن أول من اقترح نقل المومياء إلى باريس، كان الطبيب الفرنسي “موريس بوكاي”.

وبوكاي هو طبيب شهير، كان على علاقة طيبة بالسيدة جيهان السادات زوجة الرئيس المصري في ذلك الوقت أنور السادات، التي كان يعالج بعض أفراد أسرتها، وبسبب هذه العلاقة رشحه السادات لكي يكون الطبيب الشخصي للملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود في عام 1973.

كان بوكاي -الذي يعتقد أنه ولد في المغرب لأسرة يهودية انتقلت لاحقا إلى فرنسا- مستشرقا سعى لإثبات توافق النصوص الدينية مع الأدلة العلمية، حيث أصدر في عام 1976 كتابا بعنوان “الإنجيل والقرآن والعلم” كان يقارن فيه بين الإنجيل والقرآن من حيث توافقهما مع النظريات العلمية الحديثة منتصرا فيه للقرآن، وقيل إنه أسلم في فترة متقدمة من عمره، حيث يعتبره الكثيرون مؤسس فكرة “الإعجاز العلمي في القرآن”.

ويبدو أن أفكار بوكاي في هذه الفترة، وجدت هوى لدى الرئيس السادات، الذي اعتاد في خطبه رفع شعار “دولة العلم والإيمان”، وهو ما سهل عليه الحصول على الموافقات اللازمة ليدخل إلى المتحف المصري بالقاهرة ويجري أبحاثه حول خروج بني إسرائيل من مصر، وكان يسعى من وراء أبحاثه لمعرفة سبب وفاة كل من رمسيس الثاني ومرنبتاح تحديدا، حيث كان يعتقد أن موسى عاصر اثنين من الفراعنة، الأول “رمسيس الثاني” الذي تبنى موسى، والثاني “مرنبتاح” الذي طارد موسى وقومه أثناء خروجهم من مصر وهو الذي غرق.

العالم الفرنسي موريس بوكاي -في المنتصف

تحلل المومياء

وتقول “نيويورك تايمز” إن بوكاي حصل في عام 1975 على موافقة بفحص المومياوات الملكية عن قرب، حيث أعلن بعد الفحص أن مومياء رمسيس الثاني بالتحديد في حالة مهترئة، وأن هناك فطرا غامضا يعمل على تآكل الجثمان، مقترحا أن يتم نقل المومياء إلى باريس حيث يمكن للعلماء الفرنسيين المساعدة في ترميم المومياء ووقف تآكلها بما يتوفر لهم من إمكانيات علمية.

في البداية رفضت الحكومة المصرية هذا الطلب، ولم تفلح مساعي بوكاي لدى أسرة السادات في إقناعهم في بادئ الأمر، ولكن في شهر ديسمبر من العام ذاته، تصادف أن زار الرئيس الفرنسي حينها “فالري جيسكار ديستان” القاهرة في زيارة رسمية، واقترح على الرئيس المصري أنور السادات نقل المومياء إلى باريس لعلاجها من التآكلن واعدا برعايتها وإعادتها فور انتهاء الترميم.

الرئيس الراحل أنور السادات والرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان

ويبدو أن السادات رد على طلب الرئيس الفرنسي بدبلوماسية دون أن يعطي موافقة نهائية تاركا الموافقة النهائية للأثريين المصريين، وهو ما رفضه الدكتور جمال مختار رئيس هيئة الآثار المصرية حينها، وبعد مداولات، اكتفى السادات بالموافقة على إقامة معرض بباريس في مايو 1976 يضم مجموعة من مقتنيات الملك رمسيس الثاني، معتقدا أنه بذلك أرضى الفرنسيين وأن المسألة انتهت.

معرض المقتنيات الذي أطلق عليه الفرنسيون اسم “رمسيس الثاني.. فرعون الخروج”، شهد إقبالا ضخما، وفي خضم هذا النجاح، شنت عدد من الصحف الفرنسية حملة منظمة للمطالبة بـ”إنقاذ” مومياء رمسيس الثاني من التحلل.

نتيجة هذه الضغوط، وافق المصريون على تدخل الفرنسيين لعلاج المومياء ولكن في القاهرة ودون نقلها إلى باريس، إلا أن العلماء الفرنسيين أكدوا أن الاختبارات التي ستجرى على المومياء لإنقاذها تتطلب العديد من الأدوات والتقنيات التي لم تكن متوفرة لدى المصريين حينها، وبالتزامن مع ذلك، عاود بوكاي محاولاته لدى أسرة السادات مجددا، ليوافق السادات في النهاية على نقل المومياء إلى باريس بشرط ألا يتم عرضها بشكل متحفي أو أمام وسائل الإعلام أو التلفزيون.

التحضير لمعرض مقتنيات رمسيس الثاني الذي أقيم في باريس عام 1976

جواز سفر

قبل عملية النقل مباشرة، قررت السلطات المصرية استخراج جواز سفر رسمي للمومياء، في حدث فريد من نوعه، باسم “رمسيس الثاني” وكتب في جواز السفر أمام خانة المهنة “ملك سابق”.

بعض التقارير قالت إن السبب وراء استخراج جواز السفر للمومياء كان راجعا للقانون المصري الذي يفرض على أي شخص يريد مغادرة البلاد، سواء كان حيا أو ميتا، أن يحمل جواز سفر معترف به ويحصل على الأوراق اللازمة، فيما قالت تقارير أخرى أن السبب وراء استخراج الجواز كان بطلب من الحكومة الفرنسية التي كانت ترفض دخول أي شخص إلى أراضيها لا يحمل جواز سفر حتى ولو كان ميتا!

إلا أن أغلب الظن، هو أن الحكومة المصرية كانت ترغب في توفير الحماية القانونية للمومياء لضمان عودتها بأمان، تحسبا لأي طارئ قد تواجهه في المستقبل قد يعرقل مسألة استعادتها بأي حجة، وذلك في ظل عمليات النهب المنظمة التي عانت منها مصر لسنوات، والتي كانت سببا في انتشار آثارها في مختلف متاحف أوروبا التي لم تكن تحترم المطالب المصرية بإعادة مثل هذه الكنوز.

وبالفعل غادرت المومياء الأراضي المصرية لأول مرة في تاريخها، على متن طائرة عسكرية فرنسية، في رحلة أشرفت عليها كريستيان ديروش نوبلكور، مديرة القسم المصري بمتحف اللوفر وواحدة من علماء المصريات المشهورين على مستوى العالم.

مومياء رمسيس الثاني على متن الطائرة الفرنسية العسكرية التي نقلته إلى باريس

استقبال ملكي

وصلت المومياء إلى باريس أخيرا في 27 سبتمبر 1976، في تابوت مختوم وسط حشد كبير من وسائل الإعلام، وفي المطار كان في استقبالها فرقة من سلاح الجو الفرنسي وأخرى من حرس الشرف أدى أفرادها التحية العسكرية للملك المصري، كما كان في استقبال المومياء أليس سونير وزيرة التعليم العالي، كممثلة عن الحكومة الفرنسية، حيث عزف السلام الوطني المصري.

بعد وصول المومياء وانتهاء مراسم الاستقبال، نقلت إلى مختبر معقم أقيم خصيصا في أحد فروع متحف باريس للتاريخ الطبيعي، تمهيدا لإخضاعها لاختبارات عدة بيولوجية وكيميائية، تحت إشراف العالم ليونيل بالود، وبمشاركة 105 علماء من مختلف المعاهد والجامعات الفرنسية، وبدأت عملية الفحص.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

أمراض الملك

الفحوصات التي أجريت على المومياء قبل بدء عملية الترميم، أثبتت أن طول المومياء حوالي 173 سم، ولها ملامح بيضاء قريبة الشبه بسكان البحر المتوسط، وشعر أحمر حريري الملمس، كما أظهرت فحوص الأشعة أن العظام سليمة بصفة عامة، باستثناء بعض التكلس في الغضاريف بالعمود الفقري، وأظهرت أن رمسيس عانى من التهاب المفاصل وتصلب الشرايين وأورام عدة بأسنانه، مرجحين أنه كان يمشي متكئا على عصا خاصة وأن عمره تجاوز التسعين عاما.

أما بشأن الفطريات -السبب الرئيسي المعلن لنقل الجثمان- فقال العلماء الفرنسيون أنهم عثروا على عشرات الأنواع من الفطريات التي انتشرت في أجزاء المومياء.

انتقادات عالمية

خلال تلك الفترة، بدأت تظهر في الصحف العالمية، مقالات تهاجم العلماء الفرنسيين، وتؤكد أن فرنسا اختلقت مزاعم تعرض المومياء للتآكل حتى تتمكن من نقلها إلى باريس لغرض آخر غير غرض الترميم والعلاج.

ونقلت الصحف عن الدكتور جيمس هاريس، الباحث بجامعة ميشيجان، والذي كانت له الكثير من الكتابات عن المومياوات الملكية الموجودة بالمتحف المصري في القاهرة، قوله إن مومياء رمسيس الثاني لا تتدهور بأي حال من الأحوال ولا يهددها لا بكتريا ولا فطريات ولا أي شيء، مؤكدا أن ما أثاره الفرنسيون حول هذا الأمر ما هو إلا “تلفيق علمي” يخدم أهداف فكرية.

من جانبها، ردت العالمة كريستيان ديروش نوبلكور، رئيس القسم المصري بمتحف اللوفر ومنظمة معرض رمسيس الثاني، بقولها إن هذا الهجوم على العلماء الفرنسيين غير مبرر، مؤكدة أن الاختبارات التي أجريت على مومياء في باريس، أثبتت أن هناك كائنات دقيقة وفطريات وحشرات أحدثت أضرارا بالغة بالمومياء.

عملية فحص المومياء التي قام بها العلماء الفرنسيون

إهانة علنية

بالمخالفة لشروط الرئيس السادات، وبعد الانتهاء من عملية الترميم، أنتج فيلم تسجيلي قصير عرضه التلفزيون الفرنسي عن المومياء، وظهرت خلاله المومياء عارية تماما من أكفانها لعدة دقائق، وهو ما أثار غضب الجمهور الفرنسي الذي اعتبر أن تلفزيون بلاده أهان مومياء الملك المصري عن عمد.

ومما زاد من السخط العام، أن الجماعات اليهودية احتفلت بظهور رمسيس الثاني عاريا، حتى أن صحيفة “هيرالد تريبيون” الأمريكية اعتبرت أن عملية النقل برمتها كانت مؤامرة يهودية لإخراج رمسيس من مصر للتشفي فيه وإهانته، وفجرت الصحيفة مفاجأة عندما قالت إن موشى ديان وزير الدفاع الإسرائيلي السابق زار المومياء سرا في المختبر بالاتفاق مع السلطات الفرنسية بعدما فشل في الحصول على موافقة السفارة المصرية بباريس.

كامب ديفيد

الجدل العالمي حول الأزمة لم يكن بعيدا عن الشارع المصري، وعندما انتشرت الأخبار عن أن الأمر برمته كان مؤامرة من اليهود لإهانة رمسيس الثاني، بدأ البعض يلمح إلى أن السادات كان على علم بتفاصيل المؤامرة من البداية، وبالرغم من ذلك وافق على إخراج المومياء من مصر.

كان السادات في هذا التوقيت قد بدأ تحركاته مع الأمريكان لعقد صفقة مع الكيان الصهيوني ينهي بها الصراع بين مصر وقوات الاحتلال الإسرائيلي مقابل خروجهم من جميع الأراضي المصرية، وهي التحركات التي ستنتهي بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد.

وعندما اشتعلت أزمة مومياء رمسيس الثاني في فرنسا، وجدها معارضو السادات فرصة للتأكيد على مملاءته لليهود وأنه لا يتوانى عن نفاقهم حتى لو كان ذلك على حساب إهانة التاريخ والحضارة المصرية الممثلة في مومياء رمسيس الثاني.

وقبل أن تزداد الأمور سوءا، تحرك السادات وطالب الفرنسيين بسرعة إعادة المومياء طالما أن عملية الترميم انتهت، وبالفعل عادت مومياء رمسيس الثاني إلى الأراضي المصرية بعد سبعة أشهر وبالتحديد في 10 مايو 1977، حيث توجه السادات وقرينته لزيارة المومياء في المتحف والتأكد من سلامتها ونجاح عملية الترميم، معتقدا أن صفحة هذه الأزمة طويت إلى الأبدا.. ولكن يبدو أنه كان مخطئا.

جريمة سرقة

في شهر نوفمبر عام 2006، وبعد 30 عاما من عملية الترميم، قام عامل بريد فرنسي يدعى “جان ميشيل ديبولت” بنشر إعلان على الإنترنت يعرض فيه بيع “خصلات من شعر رمسيس الثاني وقطعة من كفنه وبعض المواد التي استخدمت في تحنيطه” مقابل 2500 دولار، مؤكدا أنه ورث هذه الاشياء عن أبيه الذي كان عضوا في الفريق العلمي الذي فحص مومياء رمسيس الثاني في فرنسا عام 1976.

فور انتشار الإعلان، طالبت السلطات المصرية نظيرتها الفرنسية لإجراء تحقيق فيما نشر، والتي بدورها ألقت القبض على ميشيل لتؤكد صحة روايته، وتقرر إعادة العينات إلى مصر.

لغز لم يحل

في مقال للدكتور زاهي حواس، في مجلة “الأهرام ويكلي” الناطقة بالإنجليزية، نشر في أبريل 2009، قال إن السبب الحقيقي وراء سعي الفرنسيين في السبعينيات لنقل مومياء رمسيس الثاني يكمن في بحثهم عن الفرعون المذكور في سفر الخروج بالتوراة، حيث كانوا يعتقدون بشدة أنه رمسيس الثاني.

وأضاف أنه بعد هذا الفحص، انتشرت الكثير من الشائعات حول نتائج التحليل، حيث قيل أن النتائج المخبرية أظهرت بقايا ملح داخل جسم رمسيس الثاني وأن العديد من عظامه قد تحطمت، وهو ما اعتبروه دليلا على أنه مات غرقا.

وأكد حواس أن كل ذلك معلومات واستنتاجات مغلوطة، حيث يعرف كل علماء المصريات أن الملح استخدم في عمليات التحنيط وعثر على كميات كبيرة منه بشكل دائم أثناء فحص المومياوات المختلفة، ما يعني أن الملح لا يمكن اعتباره دليلا على وفاة رمسيس الثاني غرقا في البحر الأحمر، مطالبا بإجراء مزيدا من الأبحاث العلمية على المومياء -ولكن في القاهرة- لإثبات نسبه الحقيقي وإنهاء الشائعات حول تاريخه، مؤكدا أن تحديد شخصية فرعون موسى لايزال لغزا لم يحل بعد.