شهدت الكعبة المشرفة في مكة المكرمة، عددا من عمليات الهدم والبناء على مدار تاريخها الطويل، ويقول بعض المؤرخين، أن الكعبة هدمت بالكامل وأعيد بنائها قرابة عشر مرات.

وفي العصر الحديث، شهدت الكعبة عدة عمليات لترميمها، نتيجة تضررها بفعل عوامل الطبيعة والتي كان أخطرها السيول وتقادم العهد، واستهدفت عمليات الترميم هدم السقف وإعادة بناءه أكثر من مرة وتدعيم الجدران من الداخل والخارج وتجديد الأعمدة التي تحمل السقف.

ونستعرض في هذا التقرير بالصور، آخر عمليات الترميم التي شهدتها الكعبة في العصر الحديث، والتي بدأت مع تولي أسرة عبدالعزيز آل سعود للحكم في المملكة العربية السعودية:

في عهد الملك سعود بن عبدالعزيز

شهدت السنوات التي سبقت قيام الدولة السعودية، حوادث كان لها تأثير سلبي كبير على الكعبة المشرفة، فقد تعرضت للاحتراق نتيجة سقوط بعض القذائف عليها خلال الصراع بين الحسين بن علي والدولة العثمانية عام 1915، كما شهدت تصدع وشقوق بسبب غسيل الكعبة في قبل تلك الواقعة بعامين ما تسبب في دخول السيول إلى جوف الكعبة.

وفي عام 1957، وفي عهد الملك سعود بن عبدالعزيز آل سعود، تعرض السقف للتلف بشكل ملحوظ استدعى تدخل سريع لإنقاذه، فأمر الملك سعود بتشكيل هيئة علمية وهندسية للنظر في عملية ترميم الكعبة بأكملها.

وبناء على تقرير تلك الهيئة، تقرر إعادة ترميم الكعبة بدءا من رفع السقف الأعلى للكعبة (الكعبة لها سقفان داخلي وخارجي) وتجديد عمارته، وتجديد السقف الداخلي لقدم أخشابه وتآكلها، وترميم الجدران الأصلية ترميما جيدا، كما تضمنت عملية الترميم إصلاح الرخام المحيط بجدران الكعبة من باطنها.

وفي مساء يوم 21 جمادى الآخرة عام 1377 هجريا بعد صلاة العشاء بساعة واحدة، بدأت عملية الترميم بإقامة أخشاب حول الكعبة لستر الترميم عن أعين الناس ولمنع سقوط أي شيء على الطائفين على زوار البيت الحرام أو تعرضهم للأذى، وكانت عملية الترميم تبدأ من بعد المغرب إلى بعد منتصف الليل بشكل يومي، وذلك تحت إشراف الأمير فيصل بن عبدالعزيز الذي كان وليا للعهد حينها.

وشهدت عملة الترميم تلك دخول المصابيح الكهربائية إلى جوف الكعبة المشرفة لأول مرة في تاريخها، وبعد انتهاء عملية الترميم أزيلت جميع المصابيح الكهربائية من الكعبة لعدم الحاجة إليها، لأن الكعبة لا تفتح ليلا إلا للضرورة.

وفي صبيحة يوم 12 شعبان من العام ذاته، ألقى الملك سعود من داخل الكعبة كلمة عبر الإذاعة، لتكون أول كلمة تلقى من داخل الكعبة وتبث عبر الأثير، أعلن فيها انتهاء عملية ترميم بيت الله الحرام.

في عهد الملك خالد بن عبدالعزيز

في عهد الملك خالد بن عبدالعزيز آل سعود، شهدت الكعبة المشرفة علميات ترميم محدودة، واقتصرت فقط على مدخل الكعبة وبابها، الذي تم تغييره بالكامل حيث وضع الباب الموجود حاليا، والذي قام بتصميمه المهندس المصري منير الجندي.

تقول المصادر السعودية أن الملك خالد لاحظ عام 1977 قدم باب الكعبة وذلك أثناء قيامه بأداء الصلاة داخل جوف الكعبة، حيث رأى خدوشا بارزة على الباب، فأصدر أمرا بصنع باب جديد من الذهب الخالص.

وكان باب الكعبة المشرفة قد تغير في عهد الملك عبدالعزيز عام 1944، وتم صنعه من الألمنيوم المدعم بقضبان حديدة، وتمت كسوته بألواح من الفضة المطلية بالذهب.

وقد راعى المصمم المصري للباب الجديد للكعبة، أن تتناسب الزخارف الموجودة عليه مع زخارف الكسوة المشرفة، حيث استخدم خط الثلث، كما تم تنفيذ الزخرفة بالحفر والنقش على الذهب مع استخدام قليل من الفضة.

كما تم استخدام أحدث الطرق التقنية المتوفرة في ذلك الوقت في عملية إنشاء الباب، للتوصل إلى درجة عالية من المتانة والجودة، ليقوم الباب بوظيفته دون أن يحتاج إلى أي صيانة لاحقا.

وتكلفت صناعة باب الكعبة بالإضافة إلى باب التوبة بالحرم، ما يزيد على 13 مليون ريال، واستغرق العمل بهما 12 شهرا، وصنع باب الكعبة من الذهب الخالص بكمية بلغت 280 كيلو جرام من الذهب.

في عهد الملك فهد بن عبدالعزيز

بعد سنوات من الترميم الذي تم تنفيذه في عهد الملك سعود، بدأت تظهر على الكعبة قشور وفجوات على سطح الحجارة الخارجية لجدار الكعبة المشرفة، وظهرت شقوق في المونة اللاصقة بين الأحجار خاصة في الأجزاء العليا من حوائط الكعبة، فأصدر الملك فهد بن عبدالعزيز أمرا بترميم الكعبة ترميما شاملا، وبدأت عملية الترميم يوم 10 محرم عام 1417 الموافق 1996م.

وبدأت عملية الترميم بإقامة ستار خشبي أبيض حول الكعبة المشرفة، بحيث لا يظهر منها سوى الحجر الأسود، ثم بدء في إزالة السقف والأعمدة الداخلية الحاملة له خاصة وأنها تعرضت لتلف شديد على مر السنين، وكان عمر هذه الأعمدة 1200 عام.

كما أزيل البلاط عن جدران الكعبة، وتم فك الأحجار المكونة للجسم الداخلي للجدران التي تحتاج إلى ترميم بعد ترقيمها.

كما تم حفر أرضية الكعبة إلى مستوى المطاف، بعمق 2.2 متر، تمهيدا لترميم الأرضية وتدعيمها، بعد أن تم مد عملية الحفر والترميم إلى أسفل منسوب المطاف بقرابة ثلاثة أرباع المتر من باب الاحتياط.

وقالت اللجنة المشرفة على عملية الترميم في ذلك الوقت، بشأن حفر أرضية الكعبة، أن أي عملية ترميم معماري شامل لأي مبنى لابد أن تشمل الكشف على حال الأساسات وتقييمها، إلا أن الكعبة ذات مكانة وقدسية خاصة بنيت على قواعد لها خصوصيتها، لذا فقد تم تقييم أساساتها بطريقة تراعي تلك القدسية وتلافت تجاوز الأرضية إلى باطن القواعد الأساسية.

وأظهرت علمية الكشف على الأساسات، أنه لم يتم المساس بهذا الأساس وقواعده منذ عهد سيدنا إبراهيم عليه السلام، خلال المرات العديدة التي تم هدم الكعبة فيها وإعادة بناءها.

ثم بدأت عملية إعادة البناء لكل العناصر التي أزيلت بعد تدعيمها وتقويتها وتنظيفها، لتصبح الكعبة على الحالة التي عليها الآن.