Tajawal


ارتبطت كثير من الأساطير الشعبية بعدد من المباني الأثرية والتاريخية في مصر، والتي تزخر بآثار من عدة عصور وأزمنة مختلفة، وهي الأساطير التي يتناقلها الناس حتى الآن شفاهة، أو نقلها المؤرخون والرحالة في كتاباتهم.

وكانت المساجد شأنها شأن غيرها من عناصر العمران المصري، التي ارتبطت بها الأسطورة وبشكل قوي ومزجها المصريون بالدين، وكان غرض مثل هذه الأساطير المرتبطة بالمساجد في الغالب، وعظي هدفه دفع الناس إلى الصلاة والعبادة والتقرب إلى الله.

ويسرد كتاب “العمران المصري بين الرحلة والأسطورة” للدكتور عمر عبدالعزيز منير، مجموعة من هذه الأساطير التي وردت في كتابات الرحالة الأجانب الذين جاءوا إلى مصر في عصور مختلفة، وسجلوا مشاهداتهم وما صادفوه من التراث العربي سواء كان تراث مدونا أو شفاهي عن المباني المصرية وما ارتبط بها من قصص وأساطير.

ونسرد في السطور التالية، مجموعة من الأساطير الشعبية والقصص الخيالية التي ارتبطت بعدد من المساجد في مصر، والتي اختلفت ما بين وقائع لها أصل تاريخي حقيقي وبين قصص ألفتها العقلية الجمعية المصرية من وحي الخيال:

مسجد عمرو بن العاص

نظرا لمكانة مسجد عمرو بن العاص في نفوس المصريين، فكان من الطبيعي أن تسرد حوله الكثير من الأساطير والقصص الخيالية، ومنها ما يقوله أحد المؤرخين، حول وجود “موضع عجيب” داخل المسجد جدير بالمشاهدة، ويوجد هذا الموضع عند المدخل القبلي للمسجد، حيث ينتصب عامودان من الرخام، وكان يزعم الناس في الماضي أن من كان نجسا أو عاصيا لا يستطيع المرور بينهما وإن من كان طاهرا أو بريئا مر “فمن الناس من هو بدين ضخم ويمر كالبرق ومنهم من هو ضعيف نحيل ولا يقدر على المرور”.

وتقول الأسطورة أن لصا تابعا لأحد أمراء، دخل بين العامودين بقصد المرور بينهما إلا أنه عجز عن ذلك، فاجتمع الحاضرون وأمسكوه من يديه وأخروجه من المسجد “حتى أسلم روحه لسبب مجهول”، وغسل الرجل سريعا وحضر على جنازته ألوف من الناس!

ويقول الدكتور عمر عبدالعزيز أن اعتقاد العوام في أعمدة مسجد بن العاص استمر ردحا من الزمن، فيذكر بعض الباحثين المحدثين أن عوام المصريين ظلوا يعتقدون في هذين العامودين، وقد اضطرت الحكومة إلى وضع سور حولهما بعد أن حدثت منهما مضار عديدة، مرجحا أن كثيرا من الناس قد انحصروا بين العامودين في محاولاتهم لإثبات صلاحهم وصدقهم!

الجامع الأزهر

أما الجامع الأزهر فيقول بعض المؤخرين أن بهذا الجامع “طلسما” فلا يسكنه عفصور ولا يفرخ به، وكذا سائر الطيور من الحمام واليمام وغيرهم.

ويعتقدون أن هذا الطلسم الذين يمنع الطيور من دخول المسجد، يتمثل في صورة عدة طيور منقوشة كل صورة على رأس عمود داخل المسجد، فمنهما صورتان موجودتان في مقدمة الجامع بالرواق الخامس، ومنها صورة موجودة بأحد الأعمدة المقامة بالجهة الغربية، وصورة في أحد العمودين اللذين على يسار من استقبل سدة المؤذنين، وصورة أخرى على الأعمدة القبلية القريبة من صحن المسجد.

ويعلق أحد المؤرخين بقوله “الطريف وجود من يصدق هذا وينقله على الرغم من رؤيته للعصافير تنتقل في أنحاءه”، لافتا إلى أن صور العصافير والطيور التي تنتشر أعمدة المسجد ليست طلاسم كما يعتقد البعض، بل هي رسومات دينية كانت موجودة على الأعمدة التي نقلت من الكنائس المتخربة ووضعت في مسجد عمرو بن العاص، بدليل وجود بعض الصلبان على تيجان بعض أعمدة المساجد الأثرية في مصر حتى الآن، مؤكدا أن “العصفور والنسر من الرموز الدينية عند المسيحيين ومنها الكثير في جامع عمرو وغيره من المساجد”.

جامع السلطان حسن

ألهبت مدرسة وجامع السلطان حسن المخيلة الشعبية بالعديد من الأساطير، بسبب ضخامة بناء المسجد وروعته، حتى أنه ظل إلى وقت قريب واحدا من أضخم المباني الإسلامية في العالم.

ومن بين الأساطير التي قيلت حول هذا المسجد، القصة التي حاولت تبرر ضخامة الأموال التي أنفقت على مبنى بهذا الشكل والحجم، حيث زعم العامة أن السلطان لما حفر أساس هذه الجامع وجد في الأرض مالا مدفونا، فصرفه على عمارة هذه المدرسة فعمرت، وقيل لما حفروا أساس هذه المدرسة وجدوا هناك مرساة مركب قيل “كان البحر هناك”!

ومن بين الأساطير كذلك التي ارتبطت بجامع السلطان حسن، أعتقد العامة أن الشمس تتعامد على بوابة المسجد، وهي معلومة غير صحيحة، حيث كانت الأبواب الأصلية للمسجد مكفتة بالنحاس الأحمر، وكانت إذا سقطت عليه الشمس لمع بشدة، فظن الناس أن الشمس تتعامد عليه.

جامع أحمد بن طولون

تقول الأسطورة أن أحمد بن طولون رأى حلما أفاق منه منزعجا إذ رأى صاعقة من السماء تنزل فتبيد كل ما يحيط بمسجده أما المسجد فلم يتأثر بشيء، وقدم له المفسرون تحليلا لحلمه، فكل ما يحيط بالمسجد سوف يهلك ويختفي عدا المسجد الذي سيبقى.

ويؤكد المقريزي على صحة الرؤيا بقوله “وقد صح تعبير هذه الرؤيا فإن جميع ما حول الجامع خرب دهرا طويلا كما تقدم في موضعه من هذا الكتاب وبقي الجامع عامرا”.

ومن الأساطير التي خرجت على المسجد، ما انتشر في بدايات بناءه، حيث كان الناس ينتقدون بعض العيوب في عمارة المسجد بسبب شكله المختلف الذي لم يعتد عليه أهل مصر في تلك الفترة، حتى أنهم أعرضوا عن الصلاة فيه في بعض الأحيان، فأوجدت الأسطورة تبريرا لشكل وعمارة المسجد ومحرابه فتحكي أن “أحمد بن طولون لما سمع بما يقوله الناس في المسجد من عيوب جمع الناس وقال: أما المحراب فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خطه لي، فأصبحت فرأيت النمل قد طافت بالمكان الذي خطه لي، وأما العمل فإني بنيت هذا الجامع من مال حلال وهو الكنز” بيقصد كنزا عثر عليه أسفر أساس المسجد عندما بدأ الحفر.

ويضيف ابن إياس “أنه وضع أساس هذا الجامع على مكان يسمى جبل يشكر وكان هذا الجبل يشرف على بحر النيل، وقيل أن جبل يشكر هذا مشهور بإجابة الدعاء، وسبب ذلك أن موسى عليه السلام ناجى ربه عليه بعض الأوقات”.

جامع الفكهاني

في أيام الخليفة الفاطمي الظافر بأعداء الله، تم إ نشاء الجامع المعروف بالفكهاني داخل أسوار باب زويلة، قيل أن السبب في بنائه، يرجع إلى خروف!

فتقول الأسطورة، أن مكان المسجد كان في الأصل مجزرة يذبح فيها الأغنام، وفي وسط المجزرة حفرة يجتمع فيها ماء من غسالة الذبائح، وكان لأمير من أمراء الظافر بيت مجاور للمجزرة وشرفة يطل منها عليها، وحدث أنه جاء جزار في أحد الأيام بخروفين فذبح الأول وشرع بذبح الثاني، فسمع طرقا على الباب، فتوجه لفته، وأثناء ذلك أمسك الخروف الذي لم يذبح السكين بفمه وألقاها في بركة الماء، وصادف أن شاهد الأمير هذا الموقف، ولما جاء الجزار لم يجد سكينه، أراد أن يذبح الخروف بسكين كان معه، فقال له الأمير “أمسك يداك ولا تذبح الخروف” ثم توجه الأمير إلى الخليفة الظافر وأخبره بما رآه، ثم طلب منه أن يأذن له في بناء جامع في نفس موضع المجرزة.

المسجد الجامع بمنفلوط

ومن بين المساجد الأخرى التي انتشرت حولها الأساطير، مسجد جامع كان مقاما في مدينة “منفلوط” بصعيد مصر، بالقرب من شاطئ النيل.

وتقول الأسطورة أن الملك الناصر محمد بن قلاوون، أمر بعمل منبر عظيم “محكم الصنعة بديع الإنشاء” بهدف وضعه في المسجد الحرام بمكة المكرمة، فلما انتهى العمال من بناء المنبر، أمر بأن ينقل في أحد المراكب عبر نهر النيل في طريقه إلى جد.

وعندما وصل المركب الذي يحمل المنبر إلى قرية منفلوط، ومر بجوار مسجدها الجامع المطل على نهر النيل، وقف المركب “وامتنع من الجري مع مساعدة الريح، فعجب الناس من شأنه أشد العجب، وأقاموا أياما لا ينهض بهم المركب فكتبوا بخبره إلى الملك الناصر رحمه الله فأمر أن يجعل ذلك المنبر بجامع مدينة منفلوط ففعل ذلك”.

إلا أن الدكتور عمر عبدالعزيز يرى أن التفسير الأقرب للعقل هو أن أهل منفلوط قد رغبوا في المنبر فأشاعوا تلك الرواية ليستقر المنبر في مسجد مدينتهم بفضل سلطان الأسطورة وسحرها.