قدسية مكة المكرمة وحظرها على غير المسلمين، جعلت منها قبلة محاطة بهالة من السحر والشغف، أسالت لعاب كثير من المستشرقين الذين سعوا لدخولها ودراستها عن قرب مهما كلفهم ذلك.

وبالفعل نجح عدد من المستشرقين في دخول مكة المكرمة ودرسوا التراث العربي والإسلامي بدافع علمي بحت، فحفظوا التراث وألفوا عددا من الكتب في وصفها، ووصفوا أهلها بدراسات تفصيلية وشمولية أيضًا، إلا أنهم صاروا محل جدل كبير لاحقا، بعد ما أثير حول حقيقة اعتناقهم الإسلام وكيفية دخولهم للمدينة الممنوعة على المسلمين.

ويبدو أن الادعاء باعتناق الإسلام كان هو الطريق الأسهل لدخول المستشرقون إلى مكة، فكان المستشرق يقوم بإعلان إسلامه شكلاً فقط، ويتقن لهجات عربية عدة، وبالتحديد الحجازية، لتمنع إثارة الشكوك حوله، فيبدو صادق وهو يدرس على أيدي فقهاء الدين بمكة.

ونستعرض في السطور التالية عددا من المستشرقين الذين أثاروا جدلا كبيرا حول صحة اعتناقهم الإسلام:

الإيطالي “لودفيكو دي فارتيما”

وأول مسيحي أوروبي يحج إلى مكة، وصلها عام 1503 في رفقة قافلة حجاج كان يعمل حارساً لها، وأدعى أن اسمه “الحاج يونس” ويعمل بالتجارة.

ووصف فارتيما مكة باعتبارها منطقة مقدسة من خلال ذلك المعبد المربع الجميل المغطى بالحرير الأسود -يقصد الكعبة المشرفة- والذي شبهخ بـ”الكولوزيوم” في روما كما ذكر، ومن ناحية أخرى صنف مكة كمنطقة تجارية عالية المستوى.

وترك فارتيما مخطوطة مهمة بعنوان “رحلات فارتيما”، أو كما أطلق عليها العرب “رحلات الحاج يونس”، تضم الكثير من المعارف، واصفًا فيها الطرق المؤدية إلى ثروات الشرق، بالإضافة إلى الأمكنة في تلك الحقبة، وأمورًا أخرى نادرة ومهمة عن الحياة السياسية والثقافية.

الهولندي “كريستيان سنوك هرخرونيه”

دخل إلى مكة عام 1884، وأشهر إسلامه على سبيل الحيلة، وتسمى بالحاج عبدالغفار، وسكن بمكة أكثر من ستة أشهر شرع أثناءها في تأليف كتاب نشر بالعربية بعنوان “صفحات من تاريخ مكة المكرمة”، ولم يدع مركزا ولا مجلسا من مجالس الأعيان إلا كان له منها نصيب، يستمع ويسأل ويناقش، ويعود ليدون تفاصيل من شأن مكة وحياة أهلها.

وطُرد هرخرونيه من مكة بعد أن انكشف أمرة، واعترف في رسائله العديدة بأنه تظاهر بالإسلام، وحث بالقضاء على هذا الدين، إذ زعم أنه تبسيط لليهودية مع احتوائه على بعض الإرشادات المسيحية، موصيًا بنشر الإلحاد بين المسلمين.

الإسباني “دومينيكو فرانشيسكو باديا”

وصل إلى مكة عام 1807، واشتهر باسم علي باي العباسي، حيث ادعى انتمائه للنسب العباسي الذي كان السبب في تقربه من أهل المدينة والاحتكاك بهم عن قرب.

ووصف باديا في كتابه “مسيحي في مكة.. علي العباسي” الذي ترجم من الإسبانية لمعظم لغات العالم، بالتفصيل الأروقة والأعمدة والقباب والمآذن في المسجد الحرام ومناسك الحج.

كما شرح أيضًا كيف قرر خوض مغامرة علمية في مكة، بعد أن قرر أن يدخل الإسلام بهدف الاستفادة من علمه حول الإسلام، حتى نجاحه في تأدية الحج، رغم أنه مُنع من زيارة قبر الرسول.

ولم يترك باديا أمامه أمرًا إلا وقام بتسجيله ووصفه بدقة، فرسم المساجد وقياسها بمقاييس دقيقة، ودون الجغرافيا وذكر أسماء النباتات والأشجار والأسواق وماء زمزم وجبل عرفة والأجواء الصحية، ووصف المرأة المكية التي تمتاز بحرية الملبس أكثر من المدن الإسلامية الأخرى، وقام بتدوين كل ذلك في كتاب لاحق عنوانه “رحالة إسباني في الجزيرة العربية”.

الإنجليزي “ريتشارد بيرتون”

في عامه الثالث والثلاثون، قرر العسكري في الجيش الإنجليزي بالهند ريتشارد بيرتون، خوض مغامرة وصلت إلى الجمعية الجغرافية الملكية للتنقيب، فقام بانتحال شخصية مسلم يدعى الحاج بوشهري، ووصل إلى مكة عام 1853.

ونجح بيرتون في الحصول على إجازة من الجيش، ليتم تلقينه اللغة العربية والفارسية والهندوسية وتعليمه تفاصيل العادات العربية والإسلامية، متنكرًا في شخصية ميرزا عبدالله بو شهري، إلى أن أدى مهام الحج في مكة كجاسوس.

الفرنسي “شارل ديدييه”

وصل إلى مكة المكرمة عام 1854 كمعلم وشاعر وروائي أيضًا، وقام بتأليف كتاب “رحلة إلى رحاب الشريف الأكبر، شريف مكة المكرمة”، وكتب بعد عودته ديوانين شعريين ورواية قدمت له النجاح والشهرة، وكتابين في أدب الأسفار والرحلات، وكتب أخرى ومقالات عدة قام بنشرها.

ويبدو من كتابات شارل ديدييه أن فرنسا كانت لديها أسبابها للاهتمام بالأحوال في جزيرة العرب وهذا الاهتمام كانت له جوانبه الخاصة التي تختلف كثيرا عن اهتمامات الدول الأوروبية الأخرى.

الألماني “أولريش جاسبر زيتسن”

كان طبيب وصحفي وباحث مهتم بالتاريخ الطبيعي للأرض والإنسان، وصل إلى مكة المكرمة عام 1801 ليؤدي شعائر الحج بعد أن انتحل شخصية تدعى الحاج موسى، ومكث فيها لستة أشهر.

وبحث زيتسن في مكة تاريخ المكان، وظل يدون الكثير دون كلل أو ملل، رسائل وتقارير ومنشورات وأوراق عدة، وما إن تم نشرها في جمعية فلسطين البريطانية عام 1810، حتى قتل في اليمن في السنة التالية.

السويسري “جون لويس بيركهارت”

دخل مكة عام 1814 باسم عربي مستعار، إذ أطلق على نفسه ” إبراهيم بن عبدالله”، وادعى أنه من بقايا المماليك الذين قضى عليهم محمد علي باشا في مصر للتخفي بين الحجاج.

ودرس بيركهارت اللغة العربية في جامعة كامبردج ثم قصد حلب لتعلم القرآن والتفقه في الدين الإسلامي.

ووصف مكة في كتابه “رحلة لجزيرة العرب”، وصفا تفصيليا لبحاراتها ومطوفيها وأجهزتها الإدارية وأماكنها التاريخية والعديد من التفاصيل الدقيقة.