تعد فرقة “رمسيس” المسرحية واحدة من فرق الرواد التي رسمت ملامح المسرح المصري في مطلع القرن الماضي، واستطاعت أن تخرج مجموعة كبيرة من النجوم الذين أصبحوا لاحقا نجوم الصف الأول في المسرح والسينما لسنوات طويلة، خاصة بعد الإشادات الواسعة التي نالتها الفرقة من الصحافة.

ومن بين أطرف المواقف التي تعرضت لها الفرقة، واقعة غريبة، كانت سببا في اجتياح ظاهرة الطلاق للقاهرة لعدة أيام، بسبب مسرحية مترجمة عن الفرنسية، استغرق تقديمها 7 ساعات متواصلة!

بداية تكوين الفرقة

تقول الكاتبة الراحلة فاطمة اليوسف “روزا اليوسف” في كتاب “ذكريات” التي تسرد فيه قصة حياتها، أن يوسف وهبي كان في بداياته مجرد هاوي يلقي المونولوجات الضاحكة في الحفلات الخيرية، قبل أن يلحقه المخرج والمثل الكبير عزيز عيد برفقته ليلقي أيضا بعد المونولوجات بين فصول المسرحيات.

وتضيف أنه عندما مات وهبى باشا والد يوسف وهبى ووث نجله مبلغ ضخم، سافر عزيز عيد إلى يوسف وهبى -وكان حينها في إيطاليا- وأقنعه بالعودة إلى مصر وتأسيس فرقة مسرحية جديدة تقدم روائع المسرح العالمي بعد ترجمتها، أطلقوا عليها اسم “فرقة رمسيس”، واختاروا صالة كانت في الأصل جراج وأقاموا عليها مسرحهم، وهي الصالة التي يوجد مكانها الآن مسرح الريحاني في شارع عماد الدين.

وضمت الفرقة في نواتها الأولى، 15 ممثلا و7 ممثلا، كان بينهم نجوم المسرح والسينما فيما بعد، فبالإضافة إلى يوسف وهبى وعزيز عيد كان معهم: روزا اليوسف، حسين رياض، فاطمة رشدي، زينب صدقي، أحمد علام، حسن فايق، ستيفان روستي، أدمون تويما، فتوح نشاطي وغيرهم.

وبعد تدريبات شاقة وجهد كبير، أطلقوا أولى مسرحياتهم بعنوان “المجنون”، وحققت نجاحا كبيرا قياسا على المسرحيات التي كانت سائدة في تلك الفترة والتي كان أغلبها مسرحيات هذلية يبتعد عنها الجمهور المحافظ، ثم قدموا مسرحية “غادة الكاميليا” والتي قلبت موازين التمثيل والفرق المسرحية حينها، وحققت نجاحا منقطع النظير جعل من فرقة رمسيس الفرقة المسرحية الأولى في مصر، وبدأ يتوافد على عروضها المصريون من كل الأطياف والطبقات بل كانت سببا في تغير نظرة المجتمع للتمثيل والمسرح، وهو ما أكدته الصحافة حينها بالمقالات النقدية التي كانت تشيد بالفرقة وعروضها، حتى أن الصحف أطلقت على فاطمة اليوسف بسبب دورها في هذه المسرحية لقب “سارة برنار الشرق”.

أول ضربة

واستمرت الفرقة في تقديم عروضها الناجحة، إلا أنها مع الوقت، بدأ مستوى العروض يتأثر بعوامل كثيرة، ومن ثم أثر سلبا على الإيرادات وإقبال الجمهور.

وتقول “روزاليوسف” إنه في الموسم الثاني في مطلع عام 1925، حلت بفرقة رمسيس أول ضربة عنيفة هزت سمعتها في السوق الفنية، وكانت هذه الضربة نتيجة لأن يوسف وهبى بدأ يستبد بالرأي ويصبح دكتاتورا في الفرقة، يخرج من يشاء ويدخل من يشاء بغير استشارة أحد حتى مخرج الفرقة على الأقل.

وتضيف أنه انضم في تلك الفترة جورج أبيض ومعظم أفراد فرقته القديمة إلى أسرة رمسيس، وتقرر أن يقدم جورج وممثلوه رواية: “سيرانو دي برجراك”، وهي مسرحية للشاعر الفرنسي إدموند روستان وترجمها للعربية الأديب مصطفى لطفي المنفلوطي، وهي رواية تحتوي على حوالي 16 منظرا، وهو عدد كبير قياسا على وقت وحجم المسرحيات التي كانت تقدم آنذاك، وتحتاج تبعا لذلك إلى أداء محكم سريع، واستعداد فني كامل لتغيير المناظر في وقت قصير.

ولكن يبدو أن مسرح رمسيس لم يكن يضم هذا الاستعداد الضخم الذي تحتاج إليه الروايات التاريخية، خصوصا إذا كانت كثيرة المشاهد مثل رواية “سيرانو دي برجراك”، كذلك دفعت الظروف الفرقة إلى التعجيل في تقديمها، مما أدى إلى عدم إعطائها فرصة الاستعداد كاملة، فكانت النتيجة أن استمر تمثيل الرواية في الليلة الأولى لعرضها من الساعة التاسعة مساء حتى الساعة الرابعة في الفجر، أي قرابة 7 ساعات متواصلة! حتى أن كثير من المتفرجين ناموا في الصالة منكمشين من البرد، وعندما خرجوا وجدوا الصباح قد أشرق، والمدينة بدأت تستيقظ.

وتؤكد “روزاليوسف” أنه في اليوم التالي لعرض هذه المسرحية، اجتاحت القاهرة موجة من الطلاق بسبب هذا الحادث الفني الفريد، وعن السبب تقول “فكم من زوجة لم تصدق زوجها حين جاء إليها مع الفجر وأقسم لها إنه كان في المسرح!! وكم من زوج لم يصدق أسرته التي أرسلها إلى المسرح في التاسعة فعادت إليه مع الصباح”.

وكانت هذه الحادثة بمثابة ضربة عنيفة هزت سمعة المسرح الفنية، وهو ما دفع الفرقة للتخلي عن تلك المسرحية سريعا، وإعادة عرض رواياتها الناجحة مثل “غادة الكاميليا” و”فيدورا” و”المجنون”.