بالرغم من أنه لم يكن أول مصور فوتوغرافي يصل إلى مصر بعد الإعلان عن اختراع الكاميرا رسميا في بدايات القرن التاسع عشر، إلا أن الصور التي التقطها الفرنسي ماكسيم دو كامب، تظل لها أهمية خاصة في التاريخ المصري، كونها كانت بمثابة أول عملية ترويج سياحي لمصر عن طريق الفوتوغرافيا!

كانت أول عملية تصوير فوتوغرافي ناجحة في العالم تمت في عام 1826 تقريبا، فيما تم التقاط أول صورة فوتوغرافية داخل مصر عام 1839 بواسطة المصور الفرنسي فردريك جوبيل، وكانت أول صورة التقطها على ألواح من الفضة لقصر حريم محمد علي باشا بالإسكندرية.

أول صورة التقطت في مصر لقصر حريم محمد علي باشا عام 1839
أول صورة التقطت في مصر لقصر حريم محمد علي باشا عام 1839

وبالرغم من البداية المبكرة للتصوير في مصر، إلا أن الصور الفوتوغرافية الملتقطة فيها ظلت محدودة بشكل كبير ومقتصرة على نماذج محددة، ولم يكن هناك اهتمام واسع بتصوير الآثار المصرية والإسلامية المنتشرة في ربوع مصر، حيث لم يبدأ الالتفات إلى هذه الآثار عبر الفوتوغرافيا إلا على يد ماكسيم دو كامب، الذي جاء إلى مصر بعد صورة قصر محمد علي بقرابة 10 أعوام.

كان ماكسيم دو كامب، ابن جراح فرنسي ثري، درس التصوير الفوتوغرافي في بداية حياته في باريس، وعندما كان في الخامسة والعشرين من عمره، قرر أن يخوض أول رحلة للتصوير في العالم بصحبة صديقه الأديب الكبير جوستاف فلوبير، بدعم من الحكومة الفرنسية في عام 1849، أي قبل قرابة 170 عاما، حيث قررا أن يتوجها معا للتعرف على بلاد الشرق، وكانت أول محطة نزلا بها هي ميناء الإسكندرية.

كان السفر في منتصف القرن التاسع عشر، مقتصر على الأغنياء فقط، نظرا لما يتطلبه من تكاليف كبيرة ومشاق عدة، لذا لم يكن سكان أوروبا يعرفون ما تبدو عليه بلدان العالم الأخرى ولا ما تحويه من كنوز وآثار، وكانت معرفتهم بها مقتصرة على اللوحات التي كان يرسمها الفنانون، والتي كانت حتى ذلك الوقت محدودة الانتشار ولم يظهر منها نسخ يمكن تداولها كما هو الحال الآن.

عند سفره، اصطحب ماكسيم معه كاميرا خشبية من طراز “Calotype”، وحامل للتصوير ومجموعة من المواد الكيميائية للتحميض.

و”Calotype” هي كاميرا من اختراع “هنري فوكس تالبوت”، وكانت عبارة عن صندوق خشبي داخله عدسة، تلتقط صورا “سلبية” على ورق مغطى بطبقة من كلوريد الفضة، وكان يسهل بعد ذلك تحويل هذه النسخة السلبية إلى نسخة إيجابية عبر وضع بعض المواد الكيميائية عليها مصحوبة بقليل من الحرارة.

وفضل ماكسيم اختيار هذه الكاميرا بالتحديد لأنها كانت صغيرة الحجم نسبيا ويسهل حملها ويتم طباعة الصور فيها على ورق عادي متاح بسهولة في الأسواق وكما أنها تنتج صورا ذات جودة عالية.

وبواسطة هذه الكاميرا استطاع ماكسيم إنتاج العديد من الصور على ورق الكتابة العادي الذي كان يقوم بتحميضه داخل غرفة الفندق أو في خيمة في وسط الصحراء، ثم يقوم بتجفيف الصورة السلبية وتخزينها بشكل ملائم حتى لا تتلف، وظلت معه هذه الصور حتى عاد إلى باريس وهناك أنتج منها النسخ الإيجابية.

اللافت أن كل من ماكسيم وفلوبير كتبا مذكراتهما عن هذه الرحلة الطويلة، وإن كانت حملت تلك المذكرات بعض التناقض فيما بينها، إلا أنهما اتفقا على أن الرحلة كانت خطرة بكل المقاييس، وكان عليهما مواجهة العديد من العصابات وقطاع الطرق في بعض المناطق المعزولة في الصحراء، حتى أنهما كانا يهابان أشكال المصريين ويخشونهم، حتى أن فلوبير كتب أنهما عبرا نهر النيل على زورق صغير بصحبة أناس مخيفين من شأنهم إرعاب حتى القراصنة أنفسهم!

كما كتبا انطباعاتهما عندما شاهدا أبي الهول للمرة الأولى، حيث قال فلوبير إنه رغم كل الرسومات التي شاهدها في السابق لأبي الهول إلا أنها جميعا لم تستطع كشف حقيقته وما عليه من عظمه وضخامة، فيما قال ماكسيم إنه كان يرتجف وشحب وجهه عندما طالع أبي الهول للمرة الأولى حتى أنه لم يعد قادرا على الحركة من هول وعظمة ذلك التمثال!

وبالرغم من أنهما اعترفا في مذكراتهما أنهما تورطا في علاقات مع بعض النساء والراقصات كما شربا الخمر بكثافة وتناولا العديد من المخدرات، إلا أنهما استطاعا التمسك بهدفهما الرئيسي وهو تصوير كل هذه الأماكن والكتابة عنها، وهي المهمة التي كانت أشبه بأول عملية ترويج سياحي لمصر على الإطلاق، حيث كانت تلك الصور النواة الأولى التي تعرف من خلالها الكثيرون في أوروبا على مصر وحضارتها وما بها من كنوز وآثار، وكانت مدعاة لسفرهم لرؤيتها رأي العين.

وعقب عودتهما إلى فرنسا، قام ماكسيم بإعادة تحميض الصور التي التقطها، وأنتج منها نسخا إيجابية على ورق مقوى، ثم جمعها في ألبوم واحد تم نشره عام 1852 تحت عنوان “مصر، النوبة، فلسطين، سوريا”.

ولأنه كان بمثابة أول كتاب يسجل رحلة تصوير فوتوغرافي في العالم كله، فقد دهش الجمهور بشكل لا يصدق عند مطالعته، وهو ما حول ماكسيم إلى شخصية شهيرة في أوروبا كلها بين يوم وليلة.

ويعتقد أن الصور التي التقطها هي الصور الفوتوغرافية الأولى التي التقطت للعديد من الآثار الهامة والتاريخية في القاهرة والجيزة والأقصر وأسوان، مثل الأهرامات وأبو الهول ومسجد السلطان حسن ومعبد أبو سمبل، كما أن الألبوم الخاص بماكسيم تضمن أول صورة شمسية التقطت في مصر على الإطلاق، باعتراف مكتبة الإسكندرية.

أول صورة شمسية تلتقط في مصر عام 1849
أول صورة شمسية تلتقط في مصر عام 1849

ويعتبر الكثيرون أن ما قام به ماكسيم، هو إنجاز بكل المقاييس، حيث قرر خوض هذه المغامرة والتحمس لها، بالرغم من أن فن التصوير الفوتوغرافي كان لايزال في مهده، وكأنه كان يعلم أنه يسجل شيئا للتاريخ سيظل أثرا غير مسبوق.

الفرنسي ماكسيم دو كامب
الفرنسي ماكسيم دو كامب