تشهد السعودية حاليا تطورات متسارعة وغير مسبوقة يتوقع أن تغير من النمط المحافظ للمجتمع السعودي الذي اعتدنا عليه لسنوات طويلة، خاصة في المجالات الفنية والترفيهية التي كانت من المحظورات داخل بلاد الحرمين لعدة عقود.

فخلال أيام قليلة، صدرت عدة قرارات وأوامر ملكية هامة، تصب جميعها في جانب المرأة، أثارت غضب أنصار التيار المحافظ داخل المملكة، بدءا من السماح للمرأة بقيادة السيارة، بالإضافة إلى منحها حق خوض بعض المجالات التي حرمت منها سابقا، وأخيرا التنوع الفني والانفتاح على أشكال فنية جديدة وإباحة ما كان محظور سابقا، مثل إذاعة الحفلات الغنائية للسيدة أم كلثوم في التلفزيون السعودي.

إلا أن أعلى مراحل الدهشة، تجلت عندما أعلن وزير الخارجية الروسية الروسي سيرجيو لافروف، بالتزامن مع زيارة الملك سلمان بن عبدالعزيز إلى موسكو قبل أيام، أن مسرح البولشوي الشهير سيجري جولات فنية في المملكة العربية السعودية خلال الموسم الفني للعام المقبل!

البولشوي في الرياض

وأوضح لافروف أن التعاون الثقافي بين موسكو والرياض، سوف يشمل جولات فنية لأوركسترا مسرح مارينسكي للأوبرا والباليه، بالإضافة إلى فرقة مسرح البولشوي للباليه وعدد من الفرق الروسية الأخرى.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه، هل تتم الأمور في السعودية بهذه البساطة؟ خاصة وأن فن الباليه واحد من الفنون التي لا تستهوي كثير من المجتمعات خاصة في دول العالم الثالث، فما بالك بمجتمع محافظ يميل إلى رفض الكثير من أشكال الفن بداعي مخالفته ضوابط الشريعة الإسلامية؟! وكيف سيتقبلها أنصار التيار المعادي لكل أشكال الفنون الغربية؟

ردود الأفعال على تصريحات لافروف عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كشفت الاختلاف الكبير في الآراء داخل المجتمع السعودي حاليا، ففي الوقت الذي ضج فيه البعض واعتبر أن العالم أشرف على نهايته بعد الإعلان عن إقامة حفلات الباليه “الماجنة” في أرض الحرمين، اعتبر آخرون أن السعودية تتغير إلى الأفضل وأنها تنفتح على العالم، معتبرين أن مثل هذه القرارات لن تنال من الطبيعية الخاصة للمجتمع السعودي المتدين.

حفلة عمر خيرت

أزمة شبيهة كانت قد شهدتها المملكة، عندما أعلن قبل أشهر عن إقامة أول حفل للموسيقار المصري عمر خيرت في السعودية، حيث سرعان ما انقسم السعوديون حول هذه الخطوة، وهو ما دفع هيئة الترفيه السعودية، الراعية للحفل، لاتخاذ بعض التدابير التي من شأنها الظهور بمظهر البلد المنفتح الذي لا يمنعه انفتاحه ورغبته في التعرف على الثقافات الأخرى من التخلي عن الهوية السعودية.

وهو ما تجلى، في رفض المسؤولين عن إقامة الحفل، السماح بإصدار تأشيرات للسيدات من أعضاء الفرقة الموسيقية لخيرت، اللاتي لن يلتزمن بارتداء الحجاب أثناء الحفل، وهو ما رفضته كل عضوات الفرقة، ونتيجة لذلك، وصل عمر خيرت إلى جدة بأعضاء فرقته من الرجال فقط.

وكان اللافت، أن الحفل الذي وصلت قيمة تذاكره إلى 2200 ريال سعودي، وسمح فيه بحضور العائلات، شهد إقبالا كبيرا، والتقطت عدسات المصورين طوابير طويلة للحضور “المختلط” الذي اصطف أمام بوابات مدينة الملك عبدالله الاقتصادية بجدة للاستماع إلى الحفل الذي امتدت حتى منتصف الليل.

وعلى هذا المنوال، يمكن تخيل الوضع إذا ما أقيم أول باليه في تاريخ السعودية.

أول باليه في جدة

حيث يتوقع أن يقام في مدينة جدة الساحلية، والتي تعتبر أكثر المدن السعودية انفتاحا وأكثرها تقبلا لأساليب الحياة غير المحافظة، حيث تشهد عادة إقامة الحفلات الغنائية -للمطربين الرجال- والاستاند آب كوميدي، والعروض المسرحية، وهو ما يعرض المدينة من حين لآخر للانتقاد من جانب بعض السعوديين الذين يرون أن ما يحدث بها يخالف تقاليد وعادات المملكة.

كما يتوقع أن تصل أسعار تذاكر حضور الباليه إلى أرقام فلكية، قياسا على ما حدث في حفل خيرت، فمبلغ الـ2200 ريال هو مبلغ ضخم بكل المقاييس على حفل موسيقي، فما بالك بعرض باليه لفرقة بحجم البولشوي، ونوع جديد من الفن لم يشهد السعودييه مثله من قبل!

كما يتوقع ألا يتم عرض الباليه عدة ليالي متتالية، بل عرض لليلة واحدة، ويتكرر على فترات متباعدة، لقياس رد فعل الجمهور السعودي عليها، وسيقام العرض غالبا مساء ليلة أحد أيام الإجازات الأسبوعية ليلتي الجمعة والسبت، وبالرغم من ذلك سيتم تجنب إقامة العرض ليلة الجمعة، حتى لا يكون حضور العرض سببا في تأخر البعض عن صلاة الجمعة في اليوم التالي نتيجة السهر لوقت طويل.

باليه من نوع خاص جدا

أما عن طبيعة الباليه الذي سيتم اختياره لعرضه على الجمهور السعودي، فيتوقع اختيار باليه يتناسب مع طبيعة المجتمع من حيث الموضوع أولا، بحيث يجب الابتعاد عن القصص التي تخالف أي من الثوابت الشرعية، أو التي تجسد الملائكة والشياطين، وكذا التي تخاطب الذات الإلهية أو تظهرها بأي مظهر كان، ما يعني الابتعاد عن أي باليه مأخوذ عن الأساطير الإغريقية.

وكذا الابتعاد عما يعتبره السعوديون انحلال أخلاقي أو دعوة للرذيلة، فرواية باليه “آنا كارنينا” المأخوذ عن رواية للكاتب الروسي ليون تولستوي ستكون مستبعدة تماما من العرض في جدة، كونها تقوم على قصة حب بين سيدة متزوجة وشاب، وتدعو للتعاطف معهما، حيث يرى قطاع من المجتمع السعودي أن سيدة بهذه الأخلاق يجب رجمها وليس التعاطف معها.

وأمام هذا التوجه، فإن عرض باليه كـ”عطيل” المأخوذ عن المسرحية الشهيرة للكاتب الإنجليزي وليم شيكسبير سيكون مناسب جدا للسعوديين، حيث يقوم على قصة لرجل مغربي يعتقد أنه مسلم، يقرر الثأر لشرفه بعدما يظن أن زوجته ديدمونة تخونه، حيث يدخل عليها ويسألها سؤاله الشهير قبل إقدامه على قتلها: هل أديتك صلاتك الليلة يا ديدمونة؟ وهي قصة تجد هوى لدى العقلية الشرقية والمزاج العربي.

أما أكبر أزمة سيواجها منظمو عرض الباليه في السعودية، فهو من ناحية الشكل، فكيف سيتم التعامل مع الراقصات المشاركات في العرض، حيث يصعب تخيل عرض للباليه بدون راقصات كما حدث مع فرقة خيرت التي تخلت عن عضواتها من النساء.

عرض بدون راقصات

وبالتالي سيجد منظمو العرض أنفسهم أمام أحد خيارين، إما اختيار باليه يمكن أن يقوم على الرجال فقط بعد حذف رقصات السيدات، دون الإخلال بموضوعه بشكل كبير، وهو ما يرجح استبعاد باليه “بحيرة البجع” الشهير، بينما يمكن تنفيذ ذلك مع باليه مثل “سبارتكوس” محرر العبيد، والذي يمكن التركيز فيه على أحداث المعارك والثورة ومشاهد حلبة المصارعة، وتجاهل مشاهد النساء أو معالجتها بشكل آخر.

أو اختيار باليه يتم فيه تقليص دور الراقصات إلى أبعد مدى ممكن، مثل باليه “كسارة البندق”، الذي يمكن أن يلعب الرجال فيه مختلف الأدوار مثل شخصيات الفئرات والدمى معا، ولن يتبقى إلا دور بطلة الباليه “كلارا” والتي لا يمكن الاستغناء عنها دون الإخلال بموضوع الباليه.

وهنا سؤال جديد: فلو تم اللجوء للافتراض الثاني القائم على الاستعانة بباليه يتضمن أقل عدد ممكن من الراقصات، فما هي الأزياء التي يجب عليهن الالتزام بها أثناء رقصهن وتكون مناسبة لطبيعة المجتمع السعودي؟! وهل تقبل راقصات أعرق فرقة باليه في العالم أن يفرض عليهن زي معين أثناء أداء فنهن مثل وضع غطاء للرأس (حجاب)؟!

الباليرينا المنقبة

ارتداء الحجاب أثناء رقص الباليه لم يعد أمرا مستحيلا أو ضربا من الخيال، فقد ظهرت قبل عام تقريبا، فتاة أسترالية مسلمة في الرابعة عشر من عمرها، ترقص الباليه بالحجاب، مؤكدة رغبتها في أن تصبح راقصة محترفة دون التخلي عن حجابها.

وقالت الفتاة التي تدعى “ستيفاني كورلو”، أنها جاهدت للبحث عن مدرسة باليه تقبل بتعليمها دون إجبارها على خلع حجابها، وأن تجد من يقبل أن يشاركها الرقص بغطاء رأسها.

بل إن الأمر لم يتوقف على الحجاب فقط، بل وصل إلى وجود راقصة باليه “منقبة”!

وهو ما كشفت عنه مجموعة صور انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي داخل السعودية خلال الفترة الأخيرة، لفتاة ترتدي النقاب والزي السعودي الأسود المعروفة به المرأة السعودية، أثناء أدائها لبعض رقصات الباليه.

اللافت، أن الفتاة المنقبة مجهولة الشخصية، لم ترض أحدا، سواء المعارضين لفن الباليه بطبيعة الحال، أو حتى المؤيدين له، فالمعارضين رؤوا فيما أقدمت عليه إهانة للاحتشام وللزي الإسلامي وللحجاب والنقاب، وطالبوها بالتوبة، فيما تهكم منها أنصار فن الباليه وشبهووها بـ”الخفاش” مؤكدين أن ما تفعله بعيد تماما عن الفن وروحه.