“أفعاله لا تعلل، وأحلام وساوسه لا تؤول”، لم يجد المقريزي وصفا يمكن إطلاقه على فترة خلافة الحاكم بأمر الله الفاطمي، سوى هذه الجملة، ليعبر عن عدد لا يحصى من الوقائع الغريبة والشاذة التي حفل بها حكم هذا الخليفة المثير للجدل.

إلا أن واقعة سعي الحاكم لنقل جثمان الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبيه أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، لدفنهم في أرض مصر، تظل هي الأغرب في تاريخ هذا الخليفة الذي ملأ الدنيا ضجيجا وصخبا، وهي القصة التي ربما يعرفها الكثيرون ويعرف تفاصيلها وما انتهت إليه، إلا أن الشيء الذي لا يزال غامضا حتى الآن، هو الموضع الذي اختاره الحاكم لبناء المشاهد الثلاثة التي أعدها لاستقبال جثامين النبي وصاحبيه، والتي يعتقد الكثيرون أنها هدمت مع مرور الزمن واختفت معالمها تماما.

وخلال السطور التالية، سنبدأ رحلة بحث بين العديد من المؤلفات التاريخية التي تناولت هذه الواقعة، بهدف الوصول إلى مكان المشاهد الثلاثة في مصر وتحديد موقعها بدقة، والتأكد مما إذا كانت اندثرت بالفعل كما يعتقد الكثيرون، أم أن أحدها لا يزال قائما شاهدا على واحدة من أغرب شطحات “الحاكم”.

مجسم للحجرة النبوية يظهر موضع دفن الرسول صلى الله عليه وسلم

نقطة الانطلاق

يقول الدكتور أيمن فؤاد سيد في كتابه (الدولة الفاطمية في مصر.. تفسير جديد) إن أول من تطرق للحديث عن محاولة نقل الحاكم لجثمان النبي وصاحبيه وكشف تفاصيلها، هو الجغرافي الأندلسي أبو عبيد البكري، في كتابه الشهير “المسالك والممالك”.

ويقول البكري عن هذه الواقعة [وبين الفسطاط ومدينة القاهرة نحو ميلين في خراب كانت مساكن لكتامة وغيرها، وهناك اليوم ثلاثة مشاهد على الطريق من الفسطاط إلى القاهرة بناها الحاكم ولها السدنة والخدمة، وتوقد فيها السرج الكثيرة الليل كله. وزعموا أنه كان أراد نقل جثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجثة أبي بكر وجثة عمر رضي الله عنهما إليها].

ويكشف “البكري” أن الحاكم أرسل رجالا إلى المدينة، استأجروا دورا قريبة من المسجد النبوي، وحفروا خندقا باتجاه الغرفة النبوية لنقل الجثامين سرا، فاكتشفهم أهل المدينة وقتلوهم، ثم ردمت الحفرة وأفرغ عليها الرصاص.

تخطيط الحجرة النبوية يظهر أماكن دفن النبي وصاحبيه أبو بكر وعمر

تكرار المحاولة

وبعد عدة سنوات على وفاة “البكري”، جاء المؤرخ ابن فهد المكي برواية شبيهة -ولكنها ليست متطابقة- في كتابه “إتحاف الورى بأخبار أم القرى”، أكد فيها سعي الحاكم لنقل الجثمان الشريف.

ويقول “المكي” أن أحد “الزنادقة” أشار على الحاكم سنة 390هـ بنبش قبر النبي وصاحبيه وحملهم إلى مصر، فأرسل إلى أبي الفتوح أمير مكة يأمره بذلك، فتوجه “أبو الفتوح” ورجاله إلى مسجد الرسول، فقابلهم أهل المدينة بعدما بلغهم السبب الذي جاءوا من أجله، وقرأوا على “أبو الفتوح” الآيات من 12 إلى 14 من سورة التوبة، وكاد يقع قتال بين الجانبين، فتراجع أبو الفتوح، وفي نفس اليوم، وقعت ريح شديدة [كادت الأرض تزلزل منها] وشاع ذكر هذه الرياح في الآفاق، وبالتالي أصبحت حجة لـ”أبو الفتوح” أمام الحاكم يبرر بها امتناعه عن تنفيذ أمر الخليفة.

مسجد أحمد بن طولون حيث بنيت المشاهد الثلاثة بالقرب منه

التاريخ والموضع

ويظهر من الروايتين السابقتين -رواية البكري ورواية المكي- أن الحاكم حاول مرتين نبش قبر النبي ونقل جثمانه، الأولى سنة 390هـ، والثانية يرجح أيمن فؤاد سيد أنها وقعت في العقد الأول للقرن الخامس الهجري.

أما عن الموضع الذي اختاره الحاكم لبناء هذه المشاهد الثلاثة، فلم يتحدث عنه سوى “البكري” في مقدمة روايته عن الواقعة، واكتفى بالقول أنها كانت [على الطريق من الفسطاط إلى القاهرة]، أما الدكتور أيمن فؤاد سيد في كتابه “القاهرة.. خططها وتطورها العمراني”، فقد أكد أن المشاهد الثلاثة شيدت بالقرب من جامع أحمد بن طولون، قاطعا بأنها اختفت مع مرور الزمن وزال كل أثر لها الآن.

إلا أننا لم نتوقف عند هذه النقطة، وأكملنا البحث بهدف الوصول إلى الموضع الذي بنيت فيه المشاهد بدقة والمباني الموجودة مكانها حاليا، لنصادف في طريق بحثنا أثرا لافتا، ذكر في عدة مصادر تاريخية، وأشار إليه المؤرخون باسم “المساجد الثلاثة الحاكمية المعلقة”، والتي لا يزال أحدها قائما إلى الآن.

وهنا تساؤل يطرح نفسه بشدة: هل “المساجد الحاكمية المعلقة” هي ذاتها المشاهد التي بناها الحاكم لاستقبال جثامين النبي وصاحبيه؟ وإذا كانت كذلك؛ فلماذا لم يقل المؤرخون ذلك صراحة؟! وإن لم تكن كذلك؛ فلأي غرض أنشئت هذه المساجد المعلقة بالتحديد؟! وهو ما حاولنا الإجابة عنه في السطور التالية.

خريطة القاهرة وضواحيها كما رسمها علماء الحملة الفرنسية مطلع القرن التاسع عشر

المساجد الحاكمية المعلقة

ذكر المقريزي المساجد الحاكمية المعلقة، في كتابه “المواعظ والاعتبار” في معرض حديثه عن حارة “المصامدة”، حيث يقول أن تلك الحارة كانت تبدأ من أمام “باب القوس” وظلت تتمدد حتى وصلت إلى [المساجد الثلاثة الحاكمية المعلقة]، أي على امتداد شارع المغربلين حاليا.

وحتى هذه النقطة، نجد أن موضع “المساجد الحاكمية المعلقة” يتفق بنسبة كبيرة مع الموضع الذي قيل أن الحاكم بنى فيه المشاهد الثلاثة لاستقبال جثامين النبي وصاحبيه.

فمشاهد النبي وصاحبيه بنيت على طريق رئيسي يربط بين مدينتي الفسطاط والقاهرة بالقرب من مسجد أحمد بن طولون، والمساجد الحاكمية، بنيت كذلك بالقرب من مسجد ابن طولون، على الطريق الذي هو امتداد شارع المغربلين حاليا، وهو طريق رئيسي كان ولايزال يبدأ من باب زويلة وينتهي إلى مشهد السيدة نفيسة، أي أنه كان يربط بين الفسطاط والقاهرة، وهذا الشارع حاليا يشمل عدة شوارع متتالية صغيرة، هي بالترتيب من الشمال إلى الجنوب (شارع الخيامية – شارع المغربلين – شارع السروجية – شارع الحلمية الجديدة – شارع السيوفية – شارع الخليفة “الأشراف”).

أما عن تاريخ بناءها، فيقول أبو الحسن السخاوي في كتابه “تحفة الأحباب وبغية الطلاب”، أن المساجد الحاكمية المعلقة بنيت في شهر رمضان سنة 402هـ، وهو تاريخ يتوسط الفترة الزمنية بين المحاولتين الأولى والثانية التي سعى فيهما الحاكم لنقل جثمان النبي وصاحبيه من المدينة إلى مصر، وهو ما يتناسب إلى حد كبير مع فرضية أن المساجد المعلقة هي نفسها المشاهد التي أعدت لاستقبال الجثامين الشريفة.

خريطة عامة للقاهرة وتظهر الشارع الرئيسي الذي كان يربط بين القاهرة شمالا والفسطاط جنوبا، وكان يبدأ من أمام باب زويلة عند جامع المؤيد شيخ وينتهي في ميدان السيدة نفيسة

غموض المساجد الثلاثة

إلى هذه النقطة، نجد أن كافة ما ورد عن المساجد الحاكمية المعلقة -خلاف ما سبق- يكتنفه الغموض وينقصه الكثير من التفاصيل، ويطرح أسئلة أكثر مما يقدم من إجابات.

وكان من أكثر المسائل الغامضة التي أثارها الحديث عن المساجد الحاكمية المعلقة، هو هوية الأشخاص الذين دفنوا في هذه المساجد.

وهنا نرجع إلى كتاب “المواعظ والاعتبار” حيث نجد أن الدكتور أيمن فؤاد سيد -الذي حقق الكتاب- يقول في هامشه عند الحديث عن المساجد المعلقة، أنها تقع بخط ابن طولون ومنها مشهد “محمد الأصغر” والمشهد المعروف بـ”عبدالرحمن الطولوني”، مستندا في قوله ذلك إلى ما ذكره السخاوي في “تحفة الأحباب” وعلي باشا مبارك في “الخطط التوفيقية”.

وبالرجوع إلى كتاب السخاوي، نجده يذكر مجموعة من المشاهد قال إنها موجودة في ذلك الخط إلا أنه لم يقل صراحة وبشكل قاطع، أي من هذه المشاهد كان من جملة المساجد الثلاثة الحاكمية المعلقة.

خريطة عامة لمنطقة ابن طولون تظهر موضع المساجد الحاكمية المعلقة حاليا أمام مشهد السيدة سكينة بشارع الخليفة

علي باشا مبارك

أما علي باشا مبارك فقد كان هو أول من قال صراحة أن مشهدي محمد الأصغر وعبدالرحمن الطولوني كانا من جملة المساجد الثلاثة الحاكمية المعلقة، وأوضح أن المسجد الثالث لم يقف له على أثر مرجحا أنه كان بالقرب منهما ثم زال بمرور الزمن.

إلا أن علي مبارك، لم يذكر مصدر قوله هذا ولا على أي مرجع اعتمد، كما أننا لم نجد أي مرجع آخر يذكر مشهد يسمى بمشهد “عبدالرحمن الطولوني”، لا في هذه المنطقة ولا في أي منطقة أخرى بمصر، وكل ما ذكره علي باشا مبارك عنه، نقله كما قال صراحة عما تزعمه العامة.

أما عن منطقة “الخراطين” التي قال إن مشهد عبدالرحمن الطولوني يقع بها، فإننا لم نجد أي موضع قريب من مسجد أحمد بن طولون، يطلق عليه “الخراطين”، والمكان الوحيد الذي يطلق عليه حاليا “الخراطين” يقع بعيدا عن مسجد أحمد بن طولون، بمنطقة عابدين.

ونرى من هذه الدلائل، أن علي باشا مبارك لم يتحر الدقة المطلوبة، عند الحديث عن المساجد الحاكمية المعلقة، وأن ما أورده بشأنها ملتبس ويسهل الطعن فيه.

وبالتالي، نصل إلى نتيجة مفادها، أن المسجد الثالث زال تماما، والثاني ليس له أثر بالرغم من ذكره عند علي باشا مبارك بالإضافة إلى التشكيك في صحة المدفون فيه، ولا يتبقى إلا المسجد الأول الذي يقال أنه مسجد “محمد الأصغر” أو “محمد الأنور”.

المسجد الذي يطلق عليه العامة مشهد محمد الأصغر بشارع الخليفة

مسجد محمد الأصغر

لا يوجد قول قاطع يمكن الاستناد إليه، يوضح هوية الشخص المدفون في مسجد “محمد الأصغر” الواقع بشارع الخليفة والمقابل لمشهد السيدة سكينة، والذي يعتقد أنه آخر المساجد الثلاثة الحاكمية المعلقة الباقية حتى الآن.

فالروايات حول “محمد الأصغر” -أو “محمد الأنور” كما يطلق عليه البعض- مختلفة، فبعضها يرى أنه ابن شقيق السيدة نفيسة، وآخرون يعتقدون أنه عم السيدة نفيسة، فيما يذهب آخرون إلى أن المدفون في هذا المشهد شخصان، هما عم السيدة نفيسة وابن شقيقها معا، بل وصل الأمر في التشكيك بأن هناك شخص يدعى “محمد الأنور” قد عاش يوما، حيث ذكر علي باشا مبارك نقلا عن العبيدلي النسابة أن هذا المشهد من مشاهد الرؤيا.

وتقول الدكتورة سعاد ماهر في موسوعتها “مساجد مصر وأولياؤها الصالحون”، أنه ظهر في العصور الوسطى ما يعرف باسم أضرحة الرؤيا [فإذا رأى ولي من أولياء الله الصالحين في منامه رؤيا مؤداها أن يقيم مسجدا أو ضريحا لأحد من أهل البيت أو الولي المسمى في الرؤيا، فكان عليه أن يقيم الضريح أو المسجد باسمه]، فإذا كانت هذه هي الطريقة التي أنشئت بها بعض الأضرحة في مصر، فما بالك إذا كان الضريح موجود بالفعل ولكنه فارغا، فإنه في تلك الحالة، سيكون من الأسهل أن يأتي من يزعم أن هناك شخص ما مدفون في الضريح لجذب الناس إليه، وهو ما يقوي فرضية أن يكون مشهد “محمد الأصغر”،

مشهد محمد الأصغر من الداخل

فرضية جديدة

وبعد هذه الرحلة، رأينا أن نتبنى فرضية، أن المساجد الثلاثة الحاكمية المعلقة، هي ذاتها المشاهد الثلاثة التي بناها الحاكم بأمر الله الفاطمي لاستقبال جثامين الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، وأن المتبقي منها حتى الآن، هو المشهد الذي أعد خصيصا لاستقبال جثمان الرسول، والذي يزعم البعض أن هناك شخصا اسمه “محمد الأصغر” مدفون به، وندلل على تلك الفرضية بالنقاط التالية:

* بنى الحاكم بأمر الله المشاهد الفاطمية الثلاثة لاستقبال جثامين النبي وصاحبيه في مطلع القرن الخامس الهجري، في منتصف الفترة بين المحاولتين الأولى والثانية لنقل الجثامين، وذلك في الموضع الذي حددناه بشارع الخليفة بالقرب من مسجد السيدة سكينة، على الطريق الواصل بين الفسطاط والقاهرة، في مواجهة جدار القبلة بمسجد أحمد بن طولون.

* ظلت المشاهد الثلاثة قائمة ومضاءة ولها السدنة والخدمة ومهيئة لاستقبال الجثامين الثلاثة لعدة عقود متواصلة منذ بنائها وحتى اختفاء الحاكم الذي كان لايزال يأمل في نقلها يوما، كما استمر الاهتمام بها عقب اختفائه وحتى كتابة “البكري” لكتابه “المسالك والممالك” بعدها بأربعين سنة، وربما استمر الاهتمام حتى نهاية الدولة الفاطمية، وتفسير ذلك أن الفاطميين توارثوا تلك الرغبة في نقل جثمان النبي وصاحبيه ولم تنته تلك المحاولات باختفاء الحاكم، بل كررها الخليفة الحافظ الذي حكم ما بين 524-544هـ، حيث أرسل رجاله للمدينة لنقل الجثمان سرا، وهي المحاولة التي يروي تفاصيلها الدكتور محمد حلمي محمد أحمد، في تحقيقه لكتاب “اتعاظ الحنفا”.

* الاهتمام الرسمي من قبل الدولة بهذه المشاهد، انتهى بانتهاء الدولة الفاطمية، إلا أن قدسيتها ظلت محفوظة لدى نفوس العامة، وهو ما يتناسب مع العقلية الجمعية للشعب المصري عبر تاريخه، فظل المصريون يقدسونها، حتى مع نسيان السبب الأساسي الذي أنشئت من أجله بفعل الزمن، وليبرروا اهتمامهم وتقديسهم لهذه المشاهد لجأوا لاحقا إلى فكرة “الرؤيا” في تحديد المدفون بهذه المشاهد، ونسبوها لأشخاص قالوا إنهم من آل البيت حتى يحافظوا على قدسية المكان، وربما كان هناك من ينتفع من اهتمام الناس بهذه المشاهد وتقديسها فدفع في هذا الاتجاه.

* ويؤكد الفرضية السابقة، حالة الارتباك الكبير في تحديد الشخص المدفون في مشهد “محمد الأصغر”، وعدم وجود شخص يدعى “عبدالرحمن الطولوني”، وعدم وصول أي معلومات واضحة عن المشهد الثالث.

* اختلط الأمر على المؤرخين بشأن المساجد الحاكمية المعلقة، ولم يقطعوا بأنها هي ذاتها المشاهد التي بناها الحاكم بغرض استقبال جثامين النبي وصاحبيه، ويرجع السبب في ذلك من وجهة نظرنا، بسبب الحالة الاستثنائية للمباني الثلاثة، فالمشاهد بنيت وأقيمت عليها الخدمة وهي لاتزال فارغة، ثم مات الحاكم وهي لا تزال عليها الخدمة -بحسب كلام البكري-، ووضع كهذا كفيل بأن يحدث خلطا لدى العامة ولدى المؤرخين أنفسهم.

* كما أن “البكري” لم يحدد مكان المشاهد الثلاثة بدقة في “المسالك والممالك” ليعين المؤرخين على الربط بين الفكرتين، وفي ظل انتفاء الهدف الأساسي من بناء المشاهد وهو استقبال الجثامين الشريفة، لم يعد هناك دافع قوي لدى المؤرخين للبحث خلفها.

* أضف إلى ذلك، أنه عادة لا يبذل المؤرخون كبير جهد للبحث خلف مشاهد الأولياء وآل البيت، لأن مجهودهم ينتهي عادة دون الوصول إلى معلومة موثوقة، ولا يستجلب عليهم ذلك البحث سوى سخط العامة الذين يقدسون مثل هذه المشاهد، لذا اعتاد المؤرخون إما نقل المتواتر حول تاريخ المشهد دون تدقيق، أو تجاهل الأمر برمته خاصة إذا كان المشهد من مشاهد الرؤيا أو مقطوع بعدم صحته أو متعلق بشخصية لا يذكر التاريخ عنها أي شيء، وهو ما نراه في موسوعة “مساجد مصر وأولياؤها الصالحون” حيث تجاهلت الدكتورة سعاد ماهر مشهد “محمد الأصغر” تماما ولم تذكره في موسوعتها التي تناولت مشاهد أخرى في الشارع ذاته، من بينها مشهد السيدة سكينة الذي يبعد عن “محمد الأصغر” عدة أمتار.

* لو أن مشهدا من الثلاثة يمكن أن يكتب له الصمود أمام عوادي الزمن والاستمرار قائما حتى الآن، فسيكون بطبيعة الحال هو المشهد الذي حظي بأكبر قدر من اهتمام العامة وتقديسهم، ما يعني أن المشهد المعروف حاليا باسم “محمد الأصغر” هو على الأرجح، المشهد الذي خصصه الحاكم لاستقبال جثمان الرسول صلى الله عليه وسلم، والذي كان بطبيعة الحال هو الأكبر حجما ومساحة.

* ما يؤيد فرضية أن مشهد “محمد الأصغر” هو المشهد الذي خصصه الحاكم لاستقبال جثمان النبي، هو اختيار الاسم الذي أطلق من قبل العامة على من زعموا أنه دفن في المشهد، وهو اسم “محمد الأصغر”، فهو “محمد” آخر غير النبي الذي كانوا ينتظرون وصوله، وبما أن الرسول “محمد الأكبر” لايزال مدفونا في المدينة، فمن المقبول أن تخترع العقلية الجمعية “محمد أصغر” تزعم أنه مدفون في المشهد لتبرر تقديسه.

في النهاية، نود الإشارة إلى أن الأمر برمته مجرد فرضية نطرحها للنقاش، مؤكدين أن المسألة تحتاج مزيد من البحث والتدقيق خلف مشهد “محمد الأصغر”، والذي إن صح إنه المشهد الذي بناه الحاكم بأمر الله الفاطمي لاستقبال جثمان الرسول صلى الله عليه وسلم، فسيكون أثرا فريدا من نوعه، لا مثيل له في الهدف الذي أنشيء من أجله، ربما في العالم أجمع.

الضريح الذي يزعم العامة أن به شخصا مدفون يدعى محمد الأصغر، بينما نرجح أنه مدفن فارغ

اقرأ أيضا:

خان الخليلي.. حكاية نبش قبور الخلفاء الفاطميين وإلقاء رفاتهم في المزابل