Tajawal


هيا.. فلنبدأ الدوران بملابسنا البيضاء و”قاووقنا” البني الطويل على رأسنا، نسمع أبيات مولانا جلال الدين الرومي والحلاج وبن الفارض على أنغام الناي وطبول الإيقاع، وننتقل إلى السماء في دقائق. ولكن مهلا، هل يدرك راقص المولوية أن روحه تنفصل عن جسده لتحلق فوق السحاب؟. هل فعلا يعيش هذه اللحظات القليلة من الإيمان المطلق والمعرفة التي لا حدود لها، ثم يعود إلى الأرض بكل عنفها وحروبها وثوراتها؟، يقول عامر التوني مؤسس فرقة المولولية المصرية لـ “عرب لايت”: “نعم الراقصون يعرفون ذلك”.

فكر المولوية قائم بالأساس على الدوران والتأمل، الذين عرفهما المصريون القدماء في الفصل الأخير من قيامة أوزوريس ومتون تحوت، أي ربما قبل خمسة آلاف سنة، حينما كان الراقصون يشكلون حلقة ليدورون عكس عقارب الساعة، ثم تحولت إلى أن ينفصل كل راقص ليدور بنفسه حول نفسه، وكأنه “مركز الكون”، وهو تقريبا ما نراه في عروض المولوية الآن.

أتباع الطريقة لهم أسماء عديدة غير “المولويين”، أبرزها الجلاليون نسبة إلى جلال الدين الرومي “صاحب الطريقة”، كما عُرفوا في تركيا بدراويش البكتاشية. أما عن أماكن تجمعهم تاريخيا “كطريقة صوفية”، فكانت في تكية الدراويش أو “السمعخانة”، قبل أن تتحول في العصر الحديث إلى فن يقدم على المسارح.

تكية القاهرة

وتعد التكية المولوية بالقاهرة، في بيت سنقر السعدي بشارع السيوفية في الحلمية الجديدة، أول مسرح بمصر والشرق وربما بالعالم كله، إذ ترجع عروض فرقة الدراويش المولوية إلى العصر العثماني ابتداء من القرن السادس عشر الميلادي، وترجع المباني الأثرية داخل مبنى التكية إلى عام 1315م.

مؤسس الطريقة هو محمد جلال الدين بن حسين بهاء الدين البلخى القونوى، المولود في بلخ (في أفغانستان حاليا)، والذي عاش عهد اضطرابات وحروب من فتنة جنكيزخان حتى الحروب الصليبية، وما صاحب ذلك من مظاهر القتل والتخريب ومن جانب آخر ظهرت عدة فرق ومذاهب مختلفة مثل المعتزلة، والمشبهة، والمرجئة والخوارج، فرأى الرومي ضرورة ظهور دعوة تهدف إلى الحفاظ على الإسلام في النفوس، ومن هنا ظهرت المولوية، خصوصا وأن الرومي كان قد تتلمذ على يد العارف العالم شمس الدين تبريز، الذي حول مسار مولانا من علم القال إلى علم الحال والخلوة والذكر، فقام التبريزى بتدريبه على أصول التوحيد مع الاحتفاظ بالثقافة الشرعية. أما رقصة المولوية فبدأها الرومي نفسه عندما توفي معلمه التبريزي، فاعتكف حزنا، وبدأ في الرقص الدائري، حتى يخف جسده وتشف روحه.

شاهد قبر

يرتدي الراقص ملابسه البيضاء الدالة على الصفاء وملابس الإحرام، كما يرتدي على رأسه “القاووق”، أو كما يسميه التوني “قلنصوة اللـُباد” المصنوع من وبر الجمل، وهو يرمز إلى شاهد القبر.

يمر راقص المولوية كما يقول التوني بثلاث مراحل، الأولى “التخلي”، وهي أن يتخلى صاحبنا عن كل زيف ودنس الدنيا، لتبدأ المرحلة الثانية وهي “التحلي”، أي يتحلى بصفات السالكين العارفين، ثم تبدأ مرحلة “التجلي” وهي أن يتجلى له نور الله.

انتشرت المولوية أيام الدولة العثمانية عندما تصاهر الحكام العثمانيون مع المولويين فتزوج السلطان بايزيد من دولة حاتوم حفيدة سلطان ولد ابن جلال الدين وأنجبت محمد شلبي الذي أصبح سلطان عثماني بعد أبيه فأقم وقفا لهم لدعم أعمالهم كما فعل السلاطين اللاحقين. وخدم العديد من أتباع المولوية في الدولة العثمانية في مناصب مختلفة، وانتشروا إلى مناطق البلقان وسوريا ولبنان ومصر وفي فلسطين وبالأخص في مدينة القدس.

كمال أتاتورك، هو من قضى على المولوية في تركيا، حيث حظرها وحوّل مركزها في قونية إلي متحف وأغلق كل السمعخانات والتكاية، وفي عام 1950، أعادت الحكومة التركية الاعتراف بها وسمحت للدراويش بممارسة الرقص الدائري سنويا في 17 ديسمبر ذكرى وفاة الرومي. وفي مصر قضيت عليها ثورة يوليو 1952، مع انتشار شائعات أن الدراويش يتعاطون المخدرات في التكايا.