Tajawal


طال الأمر بالمحبطين في هذا الكوكب، الباحثين عن نهاية العالم، نهاية شاملة كاملة دراماتيكية، تساعدهم على التنفيس قليلا عن أنفسهم وأرواحهم اليائسة!

فمع كل تقرير جديد ينتشر في وسائل الإعلام عن قرب حدوث ظاهرة طبيعية قد تؤدي إلى نهاية العالم وتمدير الأرض والجنس البشري، نجد هؤلاء المحبطين وقد تركوا أعمالهم وحياتهم الأسرية وتجمعوا استعدادا لهذا اليوم المشؤون وربطوا أحزمة الانفجار، وأحضروا “الفشار” والمشروبات الغازية، وانطلقوا عبر مواقع التواصل الاجتماعي للتبشير بالنهاية ومطالبة الجميع باستقبالها مبكرا، قبل أن تعاودهم انتكاسة الإحباط حينما يمر التاريخ المحدد، وتشرق الشمس من المشرق وتغرب من المغرب، ولا ينتهي الكون!

أحدث نهاية

قبل أيام، خرجت علينا صحيفة “ديلي ميل” البريطانية بتحذير لكافة سكان العالم، تطالبهم فيه بالاستعداد لاستقبال نهاية الكون صباح يوم 23 سبتمبر المقبل!

الصحيفة اعتمدت في تحذيرها على نظرية لعالم يدعى ديفيد ميد، استند فيها إلى تفسير بعض فقرات بالكتاب المقدس، زاعما أن كوكب غامض يحمل اسم “نيبيرو” أو “الكوكب إكس”، سوف يصطدم بالأرض خلال أيام.

وبالرغم من خروج وكالة الفضاء الأمريكية “ناسا” لنفي هذا الادعاء، مؤكدة أنه لا يوجد أي أدلة على وجود “الكوكب إكس” أصلا وأنه مجرد “خدعة بالإنترنت” إلا أن رافعي لواء الإحباط ونظريات “اللا مفر” تجاهلوا هذا النفي، وآثروا التمسك بنظرية ميد، معربين عن أملهم في أن ينتهي العالم قريبا ويخلصهم من مشاعر اليأس!

في انتظار جودو

وعلى طريقة مسرحية “في انتظار جودو” للكاتب صامويل بيكيت، الذي ينتظر فيها الأبطال حدوث شيء غامض غير معروف للجمهور، لا يأتي أبدا، شهد التاريخ البشري العديد من النظريات التي افترضت نهاية الكون في وقت محدد.

واعتمدت أغلب هذه النظريات، على تفاسير مختلفة للكتب المقدسة في الديانات المختلفة، وهو نفس الأسلوب الذي اتبعه “ميد” في نظريته حول نهاية الكون في 2017، كما اعتمد بعضها الآخر على رؤى وأحلام لبعض الشخصيات التي عرفها التاريخ، والتي كانت تزعم قدرتها على الاتصال الروحي مع كائنات غير منظورة، أخبرتها بقرب النهاية حتى تحذر البشرية!

وتعرف هذه النظريات باسم نظريات “الإسخاتولوجيا” أو علم آخر الزمان، وهي نظريات تهتم بتحديد الأحداث الأخيرة التي ستسبق نهاية العالم، والتي على أساسها يمكن التنبوء وتحديد موعد هذه النهاية الشاملة.

نهاية العالم 2012

من أشهر النظريات التي عرفها التاريخ عن التنبوء بنهاية العالم، هي النظرية التي زعمت أن العالم سينتهي يوم 21 ديسمبر عام 2012، عقب تعرض الأرض لتحولات وأحداث مفاجئة وعنيفة، وهي النظرية التي أنتج حولها فيلما شهريا عام 2009 باسم (2012).

واعتمدت هذه النظرية على أن نهاية الكون مرتبطة بانتهاء التقويم الكبير “لأمريكا الوسطى” الذي استمر قرابة 5 آلاف و125 عاما، وهذي يصادف نهايته عام 2012.

واعتادت البلدان التي شكلت إمبراطورية “المايا” في أمريكا الوسطى، إحياء ذكرى “نهاية باكتون 13” الذي يصادف يوم 21 ديسمبر 2012.

ومر عام 2012 في سلام وهدوء، ليكون ضربة جديدة لدعاة النهايات الكارثية، قبل أن يكتشف العلماء أن ثقافة المايا لم يكن بها أي طقس يتنبأ بنهاية الكون، وأن ما انتشر عنها كان مجرد تحريف لثقافاتها وتاريخها.

وهي النهاية التي منيت بها كل النظريات الأخروية التي تنبأت بنهاية الكون، أو قل تمنت نهاية الكون بهذا الشكل الكارثي.

احتمالات الدمار

وفي ظل هذا الانتشار الواسع للفكرة، التي تجد هوى لدى العامة عادة، انشغل عدد من العلماء عبر السنين، بوضع نظريات علمية تعتمد على الأرقام والحقائق والشواهد -بغض النظر عن فرضيات الكتب المقدسة- يمكن من خلالها التنبوأ بموعد وشكل النهاية بشكل علمي.

ومن هذه النظريات نظرية “التمزق العظيم”، التي تقول إن الكون يتوسع بشكل مستمر في جميع الاتجاهات وبشكل أبدي، وطبقا لذلك سيصل الكون إلى مرحلة من التفكك والتمزق الكامل، التي يصبح عندها كل عناصر الكون من أقمار وكواكب ونجوم ومجرات غير قادرة على التماسك، وعند الوصول إلى هذه النقطة، سينتهي كل شيء، وطبقا لهذا الافتراض، فإن نهاية الكون لن تكون قريبة بأي حال من الأحوال، ولا حتى على المدى البعيد، بل البعيد جدا جدا جدا.

بالإضافة إلى هذه النظرية، اشتهرت نظرية أخرى باسم “التجمد العظيم”، اعتمدت أيضا على فكرة توسع الكون، ولكنها افترضت نتيجة مختلفة، هي أن هذا التوسع يصاحبه تشتت الحرارة وانتشارها في الفضاء، مخلفة ورائها الصقيع والبرودة الشديدة التي ستغمر كل الكائنات، لنتهي الكون كله إلى التجمد التام، وهي أيضا نظريا لو صحت، لن تحدث قبل ملايين السنين.

انتظار قد يطول

وعلى هذا المنوال، تستمر هذه النظريات، المرتبطة أساسا بالشعور الإنساني العام، فكلما عمت المآسي والإحباطات في هذا العالم المضطرب، كلما اتجهت البشرية للبحث عن خلاص مروع ينهي مأساة الجميع، ظالمين ومظلومين في آن واحد، خلاص يرفع شعار “عليا وعلى أعدائي”.

وكلمات فشلت نظرية في إثبات صحتها، كلمات ولدت نظرية جديدة، بتفسيرات جديدة، وتوقعات جديدة، ليجد أنصار الإحباط “أمل” جديد يساعدهم على الانتظار في هذا الكون، ليعيشوا على أمل نهاية الكون القريبة!

اقرأ أيضًا:

صخرة فضائية عملاقة تقترب من الأرض بشكل غير مسبوق