عُرف المصريون طوال تاريخهم الطويل، بنظرتهم الجليلة للموت والحياة الآخرة، وهي نظرة صاحبتهم بدءا من العصر الفرعوني ثم ما تلاه من عصور وحقب وصولا إلى فترة مصر الإسلامية، إلا أن ما فعله الأمير جهاركس الخليلي، أحد أمراء السلطان الملك الظاهر برقوق، كان خروجا على السياق العام لهذا التقديس، عندما انتهك حرمة قبور خلفاء الدولة الفاطمية المدفونين بتربة الزعفران -وكانت جزءا من القصر الشرقي الكبير بشارع المعز- بهدف بناء خانه الشهير “خان الخليلي”.

قصة تربة الزعفران، قصة لافتة، ربما لم يتوقف عندها الكثيرون، فالجميع يبحث وراء ما أصبحت عليه التربة لاحقا، وهو خان الخليلي، وينسون أن تلك التربة كانت شاهدة على تغيرات درامية في التاريخ المصري، وتحولات عميقة، جعلت منها عبرة على مدار سنوات، بما حوته من عظام الخلفاء الفاطميين وزوجاتهم وأبنائهم، وبما شهدته من نهايتهم جميعا، بالإضافة إلى نهاية الخليلي نفسه الذي ربما لم تشأ الأقدار أن يغادر هذه الدنيا قبل أن ينال جزاءه على ما فعل.

تربة الزعفران

أنشئت تربة الزعفران فور وصول المعز لدين الله الفاطمي إلى مصر -قادما من المغرب- بعدما فحتها قائد جيوشه جوهر الصقلي، وقبل وصول المعز، كان الصقلي انتهى من إنشاء المدينة الجديدة التي ينتظر أن تصبح عاصمة الخلافة الفاطمية، حيث دشن عملية الإعمار ببناء الجامع الأزهر ثم القصور الزاهرة -القصر الشرقي الكبير والقصر الغربي الصغير.

وكان المعز قد وصل إلى مصر مارا من الجيزة إلى الفسطاط، ثم إلى مدينته الجديدة، مصطحبا معه جميع أبناءه وإخوته وأبناء عمومته وسائر من كان من نسل المهدي، كما حمل معه في تلك الرحلة، توابيت تحوي رفات آبائه: المهدي والقائم والمنصور، لدفنها في عاصمة الخلافة، وكانت عظامهم هي أول ما حوت تربة الزعفران.

وعقب وصوله بفترة قصيرة، توفي أحد أولاد المعز، فدفن في الزعفران إلى جوار رفات أجداده، قبل أن يلحق به المعز نفسه، الذي وافته المنية بعد قرابة عامين على إنشاء مدينته التي غير اسمها من “المنصورية” إلى “القاهرة”، ليصبح أول خليفة يدفن بالزعفران.

ويقول المقريزي في كتابه الشهير “الخطط”، أن الخلفاء الفاطميين اهتموا بهذه التربة، وحرصوا على تزيينها بالجواهر والأحجار شبه الكريمة وتطييبها بالعود والمسك، وكان الخليفة كلما عاد إلى قصره، مر على التربة لزيارة قبور آبائه، كما كانت تتم الزيارة في أوقات محددة، مثل يوم الجمعة، وفي عيدي الفطر والأضحى، مع ما يصاحب هذه الزيارات من تفريق للصدقات ورسوم توزع على كثيرين، وكان للقصر الكبير تسعة أبواب، أحدها مخصص للولوج إلى التربة، لذا أطلق عليه باب الزعفران.

الشدة المستنصرية

وفي عهد الخليفة المستنصر، شهدت مصر حالة من الاضطرابات الشديدة، صاحبتها مجاعة وأوبئة ونقص في مياه النيل، عرفت بـ”الشدة المستنصرية”.

وبعدما نهبت المحال والمتاجر والدور، تحول الجنود الغاضبين من تأخر رواتبهم، للاعتداء على تربة الزعفران لما كانت تحوي من جواهر وتحف، وهو تطور خطير كان بمثابة ناقوس خطر دفع المستنصر لاستدعاء بدر الدين الجمالي من حلب لإعادة الانضباط إلى البلاد.

ويكشف المقريزي في كتابه “اتعاظ الحنفا” الذي يؤرخ فيه للدولة الفاطمية بمصر، أن الأتراك طلبوا من المستنصر نفقتهم، فماطلهم، فما كان منهم إلا أن هجموا على التربة، وسلبوا ما فيها من قناديل الذهب ومن الآلات كالمداخل والمجامر وحلي المحاريب، وبلغت قيمة ما تمت سرقته من داخل تربة الزعفران في هذا اليوم “خمسون ألف دينار”.

نهاية الفاطميين

ودارت الأيام، وانتهت الدولة الفاطمية على يدي القائد صلاح الدين الأيوبي، وزير الخليفة العاضد، آخر من دفن من الخلفاء الفاطميين بتربة الزعفران.

يقول ابن كثير في كتابه “البداية والنهاية”، إنه بعدما سيطر صلاح الدين على شئون الدولة، عزل العاضد، وأوقف الدعاء للخليفة الفاطمي من على منابر المساجد، ورفع بدلا من ذلك الدعاء للخليفة العباسي، في إشارة إلى تحول الدولة من المذهب الشيعي وعودتها إلى المذهب السني، وهو ما كان سببا في مرض العاضد الذي لم يتجاوز الواحد وعشرين عاما، فمات حزنا على ضياع دولته ودولة أجداده.

ويشير ابن كثير إلى أن صلاح الدين حزن على العاضد بشدة وبكاه وتأسف عليه، كما شهد جنازته وعزاه، حتى أن الأيوبي “كان يتندم على إقامة الخطبة لبني العباس بمصر قبل وفاة العاضد، وهلا صبر بها إلى بعد وفاته، ولكن كان ذلك قدرا مقدورا”.

وبوفاة العاضد، انتهى دفن الموتى بتربة الزعفران، التي ضمت جميع الخلفاء الفاطميين وأبناءهم وزوجاتهم وأمرائهم، باستثناء الخليفة الحاكم بأمر الله، الذي مات في ظروف غامضة، ولم يعثر على جثمانه أبدا.

إنشاء خان الخليلي

مع مرور السنين، وخراب القصور الفاطمية وتهدمها وبناء مباني جديدة على أنقاضها، أهملت التربة بطبيعة الحال، وتحولت إلى أشبه ما يكون بخرابة تلقى فيها جيف الحيوانات النافقة والمخلفات، واستمر هذا الحال طوال الدولة الأيوبية وحتى نهاية الجزء الأول من العصر المملوكي، إلى أن جاء السلطان الظاهر برقوق، أول ملوك دولة المماليك الجراكسة.

كان يتبع السلطان برقوق أمير يدعى شمس الدين جهاركس الخليلي، وكان منصبه “أمير أخور”، أي المشرف على الاصطبلات السلطانية والبريد والهجن.

وشاء الخليلي ذات يوم، أن يبني لنفسه خانا كبيرا، تمارس فيه شتى أنواع التجارة، وبعد بحثه عن موضع مناسب، رأى أن يشيد الخان على موضع قريب من مسجد سلطانه برقوق بالقرب من ميدان “بين القصرين” بشارع المعز، ولم يكن هناك شيء ليعيق الخليلي عن قراره، سوى أن الأرض التي اختارها كانت تحوي رفات عدد كبير من الموتى، وهو ما يستدعي نبش قبورهم للبدء في البناء، وهو قرار لم يكن من السهل اتخاذه دون مسوغ شرعي.

كان للخليلي، صديق يدعى، شمس الدين محمد القليجي، وهو شيخ حنفي يعمل بالإفتاء، وتولى نيابة القضاة بالقاهرة لفترة، فتوجه إليه جهاركس وسأله الرأي الشرعي في نبش القبور التي تعيق إنشاء مشروعه الاقتصادي الضخم “خان الخليلي”؟ فما كان من القليجي إلا أن أخبره أن هذه قبور خلفاء الدولة الفاطمية الموجودة بالموضع الذي كان سابقا تربة الزعفران، وأفتاه بجواز إزالتها وإلقاء ما بها من رفات كون الفاطميين “كفارا معتدين رفضة”.

وفي صبيحة يوم مشهود، استجلب الخليلي العشرات من العمال والعبيد، وبدأوا ضرب معاولهم بتربة الزعفران واستخرجوا رفاة عشرات الرجال والنساء، ووضعوهم داخل قفف على ظهر البغال التي سارت بهم في شوارع وحارات القاهرة، التي لطالما شهدت مرورهم في احتفالات وسط الهتافات والحشود، وكأنها تودع دولتهم التي كانت ملأ السمع والبصر.

ومرت البغال من أمام المشهد الحسيني، والجامع الأزهر الذي كان يوما ما يرفع فيه الدعاء لهؤلاء الموتى، فيما تجمع البعض لمشاهدة هذا الموكب غير المألوف، ثم خرجت من أسوار القاهرة تماما، وألقي بها في كيمان البرقية -“مقلب قمامة” ضخم موضعه الحالي هو حديقة الأزهر- في نهاية لا تليق بمن كانوا يوما ما حكاما لدولة مترامية الأطراف تشمل مصر وأجزاء من الشام وشمال أفريقيا.

وهكذا بدأ جهاركس بناء سوقه الشهير “خان الخليلي”.

كيمان البرقية

كانت كيمان البرقية تقع بالجهة الشرقية من أسوار مدينة القاهرة، وكانت في البداية أرض فضاء لا بناء فيها، تربط ما بين الأسوار وجبل المقطم.

وكانت السيول عند اشتدادها عادة، تتسرب إلى القاهرة اندفاعا من أعلى المقطم، فأمر الحاكم بأمر الله، بوضع “كيمان” -أتربة وأحجار- خلف سور القاهرة بالقرب من باب البرقية، لصد تدفق المياه، فصارت تلال شاهقة منعت المياه من الانحدار، كما بني عليها بعض طواحين الهواء.

ومع مرور الزمن، استخدم المصريون هذا الموضع، لإلقاء مخلفاتهم، وهي الوظيفة التي خصصت لهذا الموضع واستمرت ترتبط به قرابة 600 عام كاملة، إلى أن أزيلت مؤخرا لبناء حديقة الأزهر.

وشهدت عملية إزالة تلك التراكمات لبناء الحديقة، العديد من الاكتشافات الأثرية، تضمنت الأسوار التي بدأ في بنائها صلاح الدين الأيوبي ولم يكملها، وكان غرضه من هذه الأسوار أن تشمل المدن الأربعة التي شكلت عاصمة الدولة في ذلك الوقت، (الفسطاط والعسكر والقطاع والقاهرة)، كما اكتشفت أحجار ثمينة وألواح عليها كتابات بالهيروغليفية.

اللافت، أن عملية إنشاء حديقة الأزهر في هذا الموضع، تمت بالتعاون بين محافظة القاهرة، وبين الشاه كريم الحسيني، الملقب بـ”الأغا خان الرابع”، وهو مواطن بريطاني الجنسية، يعتبره أنصاره إمام الشيعة الإسماعيلية النزارية -من نسل الخليفة المستنصر- وذلك كهدية منه للقاهرة تخليدا لذكرى أجداده ودولتهم الغابرة.

الناجون من معاول الخليلي

وبالرغم من كل ذلك، نجا عددا من أهالي البيت الفاطمي، وكتب لجثامينهم ألا تلقى في المزابل، وهم مجموعة من أقارب الخلفاء، دفنوا في ترب الإمام الشافعي، وسلموا من معاول الخليلي.

ويقول الدكتور أيمن فؤاد سيد في كتابه (خططها وتطورها العمراني)، أنه كان يوجد مكان مخصص لدفن أفراد البيت الفاطمي من أقارب الخلفاء، جنوبي القرافة الكبرى بجوار جامع القرافة الذي شيدته السيدة تغريد والدة العزيز بالله سنة 976م.

ويكشف في كتابه، أنه في ثلاثينيات القرن العشرين كشف في القرافة الكبرى عن نقش جزئي (محفوظ الآن بمتحف الفن الإسلامي بالقاهرة) يفيد بأن السيدة تغريد شيدت بجوار جامع القرافة مشهدا لم تحتفظ لنا المصادر باسمه، لافتا إلى أن هناك نص في كتابات المؤرخين ابن الزيات والسخاوي، يؤيد صحة هذا النقش، قالا فيه: “وتربة كانت بها ألواح رخام تشهد أن بالقبور التي فيها أقارب الخلفاء الفاطميين”.

نهاية جهاركس

أما جهاكس الخليلي، فكانت نهايته مثيرة وتستدعي التوقف، وهي نهاية اعتبرها “المقريزي” أفضل جزاء على ما فعله من نبش لقبور الموتى والاستهانة بها وإلقائها في المزابل.

ويحكي المقريزي قصة نهاية جهاركس الذي كان عمره أقصر بكثير من عمر “خان الخليلي” قائلا، أن السلطان الظاهر برقوق، أمره بترأس جيش ضم 500 مملوك، والتوجه بهم إلى دمشق لمواجهة بعض الأمراء الذين خرجوا على السلطان، إلا أن جنود السلطان هزموا بسبب خيانة بعض القواد للخليلي وفرار الباقين.

وينهي المقريزي حديثه عن الخليلي محاولا إنصافه ظالما ومظلوما بقوله (وقتل الخليليّ… وترك على الأرض عاريا وسوءته مكشوفة، وقد انتفخ وكان طويلا عريضا إلى أن تمزق وبلي عقوبة من الله تعالى بما هتك من رمم الأئمة وأبنائهم، ولقد كان عفا الله عنه عارفا خبيرا بأمر دنياه، كثير الصدقة، ووقف هذا الخان وغيره على عمل خبز يفرّق بمكة على كل فقير، منه في اليوم رغيفان، فعمل ذلك مدّة سنين، ثم لما عظمت الأسعار بمصر وتغيرت نقودها، من سنة ست وثمانمائة، صار يحمل إلى مكة مال ويفرّق بها على الفقراء”.

وبهذا انتهى الخليلي وانتهت قصته، وبقي خانه الشهير، شاهدا على ما فعل، بعدما أصبح واحدا من أهم المزارات السياحية في مصر طوال عقود.

 

اقرأ أيضًا: روشتة دواء نادرة كتبها طبيب مصري من 580 سنة.. فتسببت في إعدامه